الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: ورد اله إليه ماله وولده عيانًا، ومثلهم معهم، وأمطر عليه جرادًا من ذهب، قال: فجعل يأخذ الجراد بيده ثم يجعله في ثوبه، وينشر أثناءه، فيأخذ فيجعله فيه، فأوحى الله عز وجل إليه: يا أيوب! أما شبعت؟
قال أيوب عليه السلام: من ذا الذي يشبع من فضلك ورحمتك؟ قال: فاخذ ضِغثًا بيده فجلدها، قال: وكان الضغث مئة شمراخ، فجلدها به جلدة واحدة (1).
*
فائِدَةٌ:
قال الثعلبي في "تفسيره": واختلفوا في سبب ابتلاء أيوب عليه السلام، فقال وهب: استعان رجل أيوب عليه السلام على ظالم يدرأه عنه فلم يمنعه عنه، فابتلي.
وروى حبان عن الكلبي: أن أيوب عليه السلام كان يغزو ملكًا كافرًا، وكانت مواشي أيوب في ناحية ذلك الملك، فداهنه فلم يغزه، فابتلي.
وقيل: كان أيوب عليه السلام كثير المال فأعجبه ماله، فابتلي، انتهى (2).
قلت: والقولان الأخيران بعيدان عن حال الأنبياء عليهم السلام؛
(1) ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3244).
(2)
انظر: "تفسير الثعلبي"(8/ 211).
لأن المداهنة والعجب كبيرتان، والأنبياء عليهم السلام معصومون.
وروى الإمامُ ابنُ الإمامِ عبدُ الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: لما أصاب أيوب الذي أصابه أرسل إلى أصحابه فقال: أتدرون لأي شيء أصابني هذا؟
قالوا: أما نحن فلم يظهر لنا منك شيء نعرفه إلا أن تكون أسررت شيئًا لم يكن لنا به علم.
فقاموا من عنده، فذهبوا فلقوا إنسانًا يتكلم في العلم، فقال: لأي شيء دعاكم نبي الله؟ فأخبروه، قال: فأنا أخبره بما أصابه هذا، فأتاه فسأله، فقال: إنك شربت شربة لم تحمد الله عليها، ولم تشكر النعمة، ولعلك استظللت في ظل ولم تشكر النعمة (1).
قلت: وفي هذا إشارة إلى أن شكر النعمة يحفظها من التغير والتحول، بل ينميها ويزكيها، والإعراض عن الشكر - ولو عن قليل النعم - تعرض لزوالها والابتلاء فيها.
وقلت في المعنى: [من السريع]
لا تَحْتَقِرْ أَصْغَرَ ما تُعْطَى
…
فَتَتْرُكَ الشُّكْرَ عَلى الْمُعْطَى
مَنْ يَشْكُر اللهَ فَقَدْ قَيَّدَ
…
النَّعْماءَ وَاسْتَوْثَقَها رَبْطا
هَلَاّ شَكَرْتَ اللهَ مَنْ يَقْبِضُ الـ
…
أَرْزاقَ أَوْ يَبْسُطُها بَسْطا
(1) انظر: "الزهد"(ص: 43).
قَدْ نَبُلَ الشَّاكِرُ فِي شُكْرِهِ
…
وَتارِكُ الشُّكْرِ قَدِ انْحَطَّا
مَنْ قَصُرَتْ نعمتُه دُونَه
…
فليَلُمِ التقصيرَ والفَرْطَا
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن نوف البكالي قال: مر نفر من بني إسرائيل على أيوب عليه السلام، فقالوا: ما أصابه ما أصابَه إلا بذنب عظيم أصابه.
قال: فسمعها أيوب فقال عند ذلك: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، قال: وكان قبل ذلك لا يدعو (1).
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب عليه السلام أخوان، فأتياه ذات يوم فوجدا ريحًا، فقالا: لو كان الله عز وجل علم من أيوب خيرًا ما بلغ به كل هذا.
وفي رواية: لو كان لأيوب عند الله خير ما بلغ به كل هذا.
قال: فما سمع شيئًا كان أشد عليه من ذلك، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لا أبيت شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، قال: فصدق وهما يسمعان.
ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصًا قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني، قال: فصدق وهما يسمعان.
ثم خر ساجدًا ثم قال: اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي.
(1) تقدم تخريجه.