الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
فائِدَةٌ لَها مُناسَبةٌ تامَّة بِهَذا الْمَحَلِّ:
قد علم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وحديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - المتقدمين: أن نوم جميع الليل مما يعجب الشيطان من العبد الطائع، ومن ثم كره العلماء أن يخلو الليل من القيام.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ - يعني: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - لَوْ كَانَ يَقُوْمُ مِنَ اللَّيْلِ". رواه الشيخان من حديث حفصة بنت عمر رضي الله عنهما (1).
وروى أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صَلِّ مِنَ اللَّيْلِ نِصْفَهُ، ثُلُثَهُ، رُبُعَهُ، فواقَ حَلْبِ (2) ناَقَةٍ، فواقَ حَلْبِ شَاةٍ"(3).
وروى أبو الوليد بن مغيث في كتاب "الصلاة" عن إياس بن معاوية - رحمه الله تعالى - مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا بُدَّ مِنْ صَلاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ حَلْبَ نَاقَةٍ، وَلَوْ حَلْبَ شَاةٍ"(4).
وروى محمد بن نصر في كتاب "الصلاة" أيضاً، والطبراني في
(1) رواه البخاري (1070)، ومسلم (2479)، وعنده:"يصلي" بدل "يقوم".
(2)
فواق حلْب: أي قدر ما بين رفع يديك عن الضرع وقت الحلب وضمهما.
(3)
رواه أبو يعلى في "المسند"(2677). قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(1/ 243): رجاله محتج بهم في الصحيح.
(4)
كذا عزاه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء"(1/ 342) إلى أبي الوليد ابن المغيث، ورواه ابن أبي الدنيا في "التهجد وقيام الليل" (ص: 276).
"الكبير" عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عَلَيْكُمْ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ رَكْعَةً وَاحِدَةً"(1).
وروى ابن أبي شيبة، ومحمد بن نصر، والبيهقي في "الشعب" عن الحسن - رضي الله تعالى عنه - مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صَلُّوا مِنَ اللَّيْلِ، صَلُّوا وَلَوْ أَرْبَعًا، صَلُّوا وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ، مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تُعْرَفُ لَهُمْ صَلاة إِلَاّ نَادَاهُمْ مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْبَيْتِ! قُوْمُوْا لِصَلاتِكُمْ"(2).
وهذا المنادي أقرب ما يكون ملكاً من الملائكة عليهم السلام، ولا يلزم من ندائه أن يسمع كل من في البيت، فقد يكشف لبعضهم فيسمعه، وقد لا يسمعه أحد.
ونظير هذا حديث أنس المتقدم في التشبه بالملائكة: أن لله ملكاً ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم! قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم فأطفئوها (3).
(1) رواه محمد بن نصر في "قيام الليل"(ص: 31)، والطبراني في "المعجم الكبير"(11530)، وكذا الإمام أحمد في "الزهد" (ص: 16). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 252): رواه الطبراني، وفيه حسين بن عبد الله، وهو ضعيف.
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(6606)، ومحمد بن نصر في "قيام الليل" (ص: 121)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(3215).
(3)
تقدم تخريجه.
وفائدة هذا النداء حصول الاستيقاظ وإن لم يفهم النائم النداء.
ومثل ذلك قد يتفق في الحس بحيث ينادي بعض الإنس نائماً منهم ويذهب، فينتبه النائم ولا يعرف من ناداه.
وقد سمعت في بعض الليالي منادياً ينادي فاستيقظت، فلم أر أحداً.
وقد علم بذلك أن إيقاظ النائمين للصلاة من أخلاق الملائكة عليهم السلام كما أن تنويم المصلين من أخلاق الشياطين اللئام.
ومن المجربات للاستيقاظ متى شاء العبد: ما ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلًا قال له: إني أهم أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني النوم.
فقال: إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف: 109] الآية؛ فإن الله يوقظك متى شئت من الليل (1).
وقال الدارمي في "مسنده": أنبأ محمد بن كثير عن الأوزاعي، عن عبدة، عن رَزين قال: من قرأ آخر سورة الكهف لساعة من الليل قامها؛ قال عبدة: فجربناه فوجدناه كذلك (2).
وروى ابن الضِّريس في "فضائل القرآن" عن إسماعيل بن أبي
(1) انظر: "تفسير القرطبي"(11/ 72).
(2)
رواه الدارمي في "السنن"(3406).
رافع - رحمه الله تعالى - بلاغاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن من قرأ الخمس آيات من خاتمة سورة الكهف حين يأخذ مضجعه من فراشه حُفظ، وبعث من أي الليل شاء (1).
وأفادني بعض مشايخي أنه يقال بعد القراءة: يا ملائكة ربي! أيقظوني في وقت كذا.
قلت: هذا لا بأس به، لكن الذي يظهر أنه ليس شرط، بل يكفيه أن يحضر في قلبه الساعة التي يريد القيام فيها حال قراءة الآية، وهكذا جربته فرأيته صحيحاً.
وروى الإمام أبو سعد أحمد بن محمد الماليني في "أربعين الصوفية"، وابن الجوزي في كتاب "ترجمة معروف الكرخي رضي الله تعالى عنه"؛ كلاهما عن معروف قال: ثنا بكر بن خنيس: قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قالَ عِنْدَ مَنَامِهِ: اللَّهُمَّ لا تُؤْمِنَّا مَكْرَكَ، وَلا تُنْسِنَا ذِكْرَكَ، وَلا تَهْتِكْ عَنَّا سِتْرَكَ، وَلا تَجْعَلْنَا مِنَ الْغَافِلِيْنَ، اللَّهُمَّ ابْعَثْنَا فِيْ أَحَبِّ السَّاعَاتِ إِلَيْكَ حَتَّى نَذْكُرَكَ فَتَذْكُرَناَ، وَنسأَلَكَ فَتُعْطِيَنَا، وَنَدْعُوْكَ فَتَسْتَجِيْبَ لَنَا، وَنَسْتَغْفِرَكَ فَتَغْفِرَ لَنَا إِلَاّ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى مَلَكًا فِيْ أَحَبِّ السَّاعَاتِ إِلَيْهِ فَيُوْقظُهُ، فَإِنْ قَامَ وإِلَاّ صَعِدَ الْمَلَكُ فَيَعْبُدُ اللهَ فِيْ السَّمَاءِ، ويُعْرُجُ إِلَيْهِ مَلَكٌ آخَرُ فَيُوْقِظُهُ، فَإِنْ قَامَ وإِلَاّ صَعِدَ الْمَلَكُ فَقَامَ مَعَ
(1) رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن"(ص: 214).