الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موالاة الكافرين مطلقا، ويبين لنا كثيرا من مواقف الكافرين جملة، ومواقف أهل الكتاب خاصة، مما هو كالتعليل لمنعنا عن موالاتهم، فارتباط المقطع بعضه ببعض وارتباطه بما قبله، ومحله في سياق السورة الخاص وصلة ذلك بمحور السورة من البقرة كل ذلك له علاماته الكبرى.
المعنى العام:
ينهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله. ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض. ثم تهدّد وتوعّد من يتعاطى موالاتهم ووصفه بالظّلم، وأن الله لا يحبّه، وأيّ عقوبة أفظع من أن يبغض الله إنسانا؟ ثمّ أخبر تعالى عن الذين في قلوبهم مرض، وشكّ، ونفاق، كيف أنهم يبادرون إلى موالاتهم ومودّتهم في الباطن والظاهر، متأولين في مودتهم وموالاتهم، أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، أو الكافرين عامة، فينفعهم ذلك، ناسين أن النصر بيد الله، وأن الأمر كله له، وقد ذكّر الله هؤلاء وغيرهم أنّ هؤلاء سيندمون على ما أسرّوه في أنفسهم، من موالاة الكافرين يوم ينصر الله جنده، ويعلى كلمته، وعندئذ سيجدون أن ما كان منهم لم يغن عنهم شيئا، ولا دفع عنهم محذورا بل على العكس، كان عين المفسدة لهم، فإنهم فضحوا وأظهر الله أمرهم لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبيّن أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنّهم من المؤمنين ومعهم، ويحلفون على ذلك أشدّ الحلف، فبان كذبهم وافتراؤهم، وأحبط الله أعمالهم، فكانوا خاسرين [وورود كلمة خاسرين في هذا السياق يذكّرنا بالارتباط في محور سورة المائدة من سورة البقرة أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* إذ أن هؤلاء نقضوا العهد والميثاق، وما أمر الله به أن يوصل من ولاء أهل الإيمان بعضهم لبعض].
ثم أخبر تعالى عباده المؤمنين عن قدرته العظيمة ورعايته لشئون دينه بأنه عند ما يتولى أحد عن نصرة دينه، وإقامة شريعته، فإنّ الله سيستبدل من هو خير لها منه وأشدّ منعة، وأقوم سبيلا، ممّن يتّصفون بالتواضع للمؤمنين، والشدّة على الكافرين، والعزّة عليهم، ممن يحبون الله ويحبهم الله، ممن يجاهدون في سبيل الله، ولا يردّهم عمّا هم فيه من طاعة الله وإقامة الحدود وقتال أعداء الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك رادّ، ولا يصدهم عنه صادّ، ولا يؤثر فيهم لوم لائم، ولا
عذل عاذل، ثم بيّن الله أنّ الاتصاف بهذه الصفات أثر عن فضله وتوفيقه، وهو الواسع الفضل، العليم بمن يستحق ذلك ممن لا يستحقه، وبعد أن حرّم الله في بداية المقطع تولي اليهود والنصارى، فضلا عن غيرهم من الكافرين، حدّد من يستحقون ولاية المسلم، فذكر أنه لا يستحقها إلا الله ورسوله والمؤمنون، المتصفون بإقام الصلاة التي هي بعد الشهادتين أكبر أركان الإسلام، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين، ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين، ثم أعطى الله وعده أن كل من يرضى بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو منصور وغالب في الدنيا والآخرة، ثم أعاد الله الكرّة بالتنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله، من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون- وهي شرائع الإسلام المطهرة، المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي- يتخذونها هزوا يستهزءون بها، ويعتقدون أنها نوع من اللعب، في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، فكل من اتّخذ دين الله هزوا ولعبا من كتابي أو ملحد أو مشرك، فقد نهى الله عن موالاته. فأي جهل هذا الجهل العريض الذي وقع فيه عامّة المسلمين وخاصتهم، عند ما يوالون من هذا شأنه من زعماء أحزاب أو قادة سياسيين، أو رؤساء دول، ثم أمر الله- عز وجل بتقواه وبالخوف منه؛ إذ بدون تقوى فلا إيمان، وكما يستهزئ هؤلاء بدين الله وشرائعه، فإنّهم إذا أذّن المسلمون داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال- لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب- يتخذون الصلاة هزوا ولعبا؛ بسبب جهلهم بمعاني عبادة الله وشرائعه، وما أكثر ما نصادف هؤلاء في عصرنا، حتى من أبناء المسلمين، الذين يعتبرون الصلاة لا تليق بالخاصّة، ويعتبرونها نوعا من أنواع الحركات الرياضية، يغني عنها غيرها بل يفضلها، ألا ما أجهلهم بجلال الله وحقه في أن يعبد، وما أكثر ما استطاع أعداء الله أن يكفّروا أبناء المسلمين.
وبعد أن نهى الله عن اتخاذ الكافرين كلهم أولياء، ناصّا على أهل الكتاب خاصة، لأنهم مظنة أن يخدعوا المسلمين، فإنه أمر أن نوجّه لهم الخطاب في تسفيه ما هم عليه.
فلا يكفي أن يكون موقفك من الكفر وأهله سلبيا، بل لا بد من موقف إيجابي، لأنه بدون ذلك لا يسلم لك حتى الموقف السلبي. ومن ثم أصدر الله أمره لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو أمر في الوقت نفسه للأمّة- أن تقول لأهل الكتاب هل لكم مطعن علينا أو عيب، إلا أننا نؤمن بالله حق الإيمان، وما أنزل علينا وما أنزل عليكم، وهل تنقمون منا إلا لأنكم فاسقون عن أمر الله، لا تلتزمونه ونحن نلتزم أمر الله كاملا، ثم أمرنا أن نقول لهم: هل نخبركم بمن هو شرّ
جزاء عند الله يوم القيامة؟ إنّهم أنتم المتصفون بما استوجبتم به لعنة الله، وغضبه ومسخه لكم، قردة وخنازير، أنتم الذين عبدتم الطاغوت من دون الله، فأنتم إذن شرّ مكانا مما تظنون بنا، وأنتم الضّالّون عن سواء السبيل، وبمناسبة النهي عن موالاتهم والأمر بتقريعهم يذكر لنا حالة من حالاتهم كيلا نخدع بهم، ثم حالة أخرى تنفر منهم وتقزّز النّفس من أحوالهم، أما الحالة الأولى فهي أنهم أحيانا يصانعون المؤمنين، بإعلان الإيمان في الظاهر، وقلوبهم منطوية على الكفر، ويدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مستصحبون الكفر، ويخرجون من عنده والكفر كامن في أنفسهم لم ينتفعوا بما قد سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلم، ولم تنجع فيهم المواعظ، ولا الزواجر، والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإنّ الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم، وسيجزيهم على ذلك أتمّ الجزاء. أما الحالة الثانية فهي أنهم يبادرون إلى تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على النّاس، وأكلهم أموالهم بالباطل، فلبئس العمل عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم، وهذه الحالة التي هم عليها لا ينهاهم عنها زهّادهم ولا علماؤهم، فلبئس صنيع الجميع. ثم أخبر تعالى عن مظهر من مظاهر جهل اليهود بالله، وسوء أدبهم معه، إذ يصفونه تعالى بأنه بخيل، جامعين إلى ذلك سوء التعبير، وقد ردّ الله- عز وجل عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه، بأن جعل أيديهم مغلولة، ولعنهم بسبب قولهم هذا، وبيّن تعالى أنه وحده الكريم ذو الكرم المطلق، لأنه ذو المشيئة المطلقة، فهو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شئ إلا عنده خزائنه، وما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شئ مما نحتاج إليه في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، فهل هو
الذي يستحق الولاية أم هؤلاء؟
ولنتذكّر أن هذا كله يأتي في سياق المقطع الذي ينهى عن موالاة هؤلاء وأمثالهم، ليكون قطع الولاء مبنيّا على أساس من الفهم العميق لوضع هؤلاء، ونفسيّتهم، وسلوكهم، ومن أجل أن نزداد بصيرة بيّن تعالى أنّ ما يؤتي الله- عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم وأمّته من النّعم لا يزيد هؤلاء اليهود وأشباههم إلا نقمة، فبينما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا، وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون له ولأمته طغيانا، وقد عاقبهم الله- عز وجل بأن ألقى بينهم العداوة والبغضاء، والخصومة والجدال في الدين، فلا تجتمع قلوبهم أبدا، وقد خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه، وقد وعدنا الله أنه كلما عقدوا أسبابا يكيدوننا بها، وكلما أبرموا أمرا يحاربوننا فيه، أبطله الله، وردّ
كيدهم عليهم، وحاق مكرهم السيئ بهم. ثم بيّن الله- عز وجل أنّ من سجيّتهم أنّهم دائما يسعون في الأرض فسادا، والله لا يحب من هذه صفته، ولم يتضح في عصر من العصور صفة الإفساد لليهود كما اتضحت في عصرنا، ومن كان هذا شأنه، ومن كان الله ضدّه، ومن تكفّل الله بإبطال مخططاته، فإنّه حري أن يعادى لا أن يوالى، ومن خلال ذكر الإفساد في الأرض نتذكر الصلة بين هذا المقطع ومحور السورة. ثم بيّن تعالى أن أهل الكتاب لو اجتمع لهم الإيمان والتقوى لكفّر الله عنهم ذنوبهم، وأدخلهم الجنة، ولو أن أهل الكتاب عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لقادهم ذلك إلى اتّباع الحق، والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، فإنّ كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه، لو أن أهل الكتاب اجتمع لهم هذا لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض مع تكفير السيئات ودخول الجنة، ولكن الواقع ليس كذلك فإنّ قسما منهم فقط، اجتمع له الاقتصاد في العمل ضمن هذه الحدود، وأما البقية فأعمالهم سيئة ونياتهم سيئة، وعلى الكفر والظلم والفسوق مقيمون، وبهذا ينتهي هذا المقطع الذي يعمّق قضية الولاء، التي أمر الله أن تكون هي الجامعة بين المؤمنين، وحرّم أن تكون بين أهل الإيمان وغيرهم، وقد بدأ المقطع في تحريم الولاء لليهود والنصارى. وختم المقطع بما ينفّر من كل معنى من معاني الولاء لليهود والنصارى، وإذا كان الأمر كذلك في اليهود والنصارى، وإذا كان هذا شأن هؤلاء فما بال الأبشع والأقبح أهل الإلحاد والشرك؟
وهكذا جاء النهي عن موالاة الكافرين بين تعليلين، تعليل سابق في المقطع الرابع، وتعليل لاحق في المقطع الخامس.
وجاء تحديد صفات حزب الله، التي من جملتها تحرير الولاء لله والرّسول والمؤمنين، بين نهيين عن موالاة الكافرين.
فاتضح بهذا القسم في مقطعيه ما ينبغي أن يوصل وما ينبغي أن يقطع.
إن الكافرين والمنافقين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وهو موالاة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويصلون ما أمر الله به أن يقطع، وهو موالاة الشيطان وأهله، وبذلك استحقوا الإضلال: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.