الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[تعليق صاحب الظلال على أسباب نزول الآيات السابقة]
ومن أسباب النزول هذه ندرك معنى إسلاميا عظيما يغيب عن كثير من النّاس إذ يبيعون المستضعفين بالأغنياء، والعاديين بالأذكياء، والمغمورين بأصحاب الجاه وفي هذا المقام يقول صاحب الظلال:
«نحن في حاجة إلى وقفة طويلة أمام هذه النصوص .. والبشرية بجملتها في حاجة إلى هذه الوقفة كذلك إن هذه النصوص لا تمثل مجرد مبادئ وقيم ونظريات في «حقوق الإنسان» ! .. إنها أكبر من ذلك بكثير .. إنها تمثل شيئا هائلا تحقق في حياة البشرية فعلا .. تمثل نقلة واسعة نقلها هذا الدين للبشرية بجملتها .. تمثل خطا وضيئا على الأفق بلغته هذه البشرية ذات يوم في حياتها الحقيقية .. ومهما يكن من تراجع البشرية عن هذا الخط الوضيء الذي صعدت إليه في خطو ثابت على حداء هذا الدين، فإن هذا لا يقلل من عظمة تلك النقلة؛ ومن ضخامة هذا الشئ الذي تحقق يوما؛ ومن أهمية هذا الخط الذى ارتسم بالفعل في حياة البشر الواقعية .. إن قيمة ارتسام هذا الخط وبلوغه ذات يوم؛ أن تحاول البشرية مرة ومرة ومرة الارتفاع إليه، ما دام أنها قد بلغته، فهو في طوقها إذن وفي وسعها .. والخط هناك على الأفق، والبشرية هي البشرية، وهذا الدين هو هذا الدين .. فلا يبقى إلا العزم والثقة واليقين ..
وقيمة هذه النصوص أنها ترسم للبشرية اليوم ذلك الخط الصاعد بكل نقطه ومراحله .. من سفح الجاهلية الذي التقط الإسلام منه العرب، إلى القمة السامقة التي بلغ بهم إليها، وأطلقتهم في الأرض يأخذون بيد البشرية من ذلك السفح نفسه إلى تلك القمة التي بلغوها!
فأما ذلك السفح الهابط الذي كان فيه العرب في جاهليتهم- وكانت فيه البشرية كلها- فهو يتمثل واضحا في قولة «الملأ» من قريش: «يا محمد، رضيت بهؤلاء من قومك؟ أ
هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك!» .. أو في احتقار الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، للسابقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، وأمثالهم من الضعفاء؛ وقولهما للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد!».
.. هنا تتبدى الجاهلية بوجهها الكالح وقيمها الهزيلة، واعتباراتها الصغيرة .. عصبية
النسب والجنس واعتبارات المال والطبقة .. وما إلى ذلك من اعتبارات. هؤلاء بعضهم ليسوا من العرب! وبعضهم ليسوا من طبقة الأشراف! وبعضهم ليسوا من ذوي الثراء! .. ذات القيم التي تروج في كل جاهلية؛ والتي لا ترتفع عليها جاهليات الأرض اليوم في نعراتها القومية والجنسية والطبقية!
هذا هو سفح الجاهلية .. وعلى القمة السامقة الإسلام! الذي لا يقيم وزنا لهذه القيم الهزيلة ولهذه الاعتبارات الصغيرة، ولهذه النعرات السخيفة! .. الإسلام الذي نزل من السماء ولم ينبت من الأرض. فالأرض كانت هي هذا السفح .. هذا السفح الذي لا يمكن أن ينبت هذه النبتة الغريبة الجديدة الكريمة .. الإسلام الذي يأتمر به- أول من يأتمر- محمد صلى الله عليه وسلم محمد رسول الله الذي يأتيه الوحي من السماء، والذي هو من قبل في الذؤابة من بني هاشم في الذروة من قريش .. والذي يأتمر به أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن «هؤلاء الأعبد» .. نعم هؤلاء الأعبد الذين خلعوا عبودية كل أحد؛ وصاروا أعبد الله وحده فكان من أمرهم ما كان!
وكما أن سفح الجاهلية الهابط يرتسم في كلمات الملأ من قريش، وفي مشاعر الأقرع وعيينة، فإن قمة الإسلام السامقة ترتسم في أمر الله العلي الكبير، لرسوله صلى الله عليه وسلم:
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ* وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ؟ * وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ، ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ، فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ..
ويتمثل في سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع «هؤلاء الأعبد» .. الذين أمره ربهم أن يبدأهم بالسلام وأن يصبر معهم فلا يقوم حتى يقوموا، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم- وهو بعد ذلك- رسول الله وخير خلق الله، وأعظم من شرفت بهم الحياة!
ثم يتمثل في نظرة «هؤلاء الأعبد» لمكانهم عند الله؛ ونظرتهم لسيوفهم واعتبارها «سيوف الله» ونظرتهم لأبي سفيان «شيخ قريش وسيدهم» بعد أن أخّره في الصف المسلم كونه من الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح وذهبوا طلقاء عفو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
وقدّمهم هم في الصف كونهم من السابقين إلى الإسلام، وهو في شدة الابتلاء .. فلما أن عاتبهم أبو بكر رضي الله عنه في أمر أبي سفيان، حذره صاحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون قد أغضب «هؤلاء الأعبد»! فيكون قد أغضب الله- يا الله! فما يملك أي تعليق يبلغ هذا المدى وما نملك اليوم إلا أن نتملاه! - ويذهب أبو بكر رضي الله عنه يترضّى «الأعبد» ليرضى الله:«يا إخوتاه أغضبتكم» ؟ فيقولون: «لا يا أخي.
يغفر الله لك»!
أي شئ هائل هذا الذي تحقق في حياة البشرية؟ أية نقلة واسعة هذه التي قد تمت في واقع الناس؟ أي تبديل في القيم والأوضاع، وفي المشاعر والتصورات، في آن؟ والأرض هي الأرض، والبيئة هي البيئة، والناس هم الناس، والاقتصاد هو الاقتصاد .. وكل شئ على ما كان، إلا وحيا نزل من السماء على رجل من البشر، فيه من الله سلطان ..
يخاطب فطرة البشر من وراء الركام، ويحدو للهابطين هنالك عند السفح، فيستجيشهم الحداء- على طول الطريق- إلى القمة السامقة .. فوق .. هنالك عند الإسلام!
ثم تتراجع البشرية عن القمة السامقة؛ وتنحدر مرة أخرى إلى السفح. وتقوم- مرة أخرى- في نيويورك، وواشنطن، وشيكاغو .. وفي جوهانسبرج .. وفي غيرها من أرض «الحضارة!» تلك العصبيات النتنة، عصبيات الجنس واللون، وتقوم هنا وهناك عصبيات «وطنية» و «طبقية» لا تقل نتنا عن تلك العصبيات ..
ويبقى الإسلام هناك على القمة .. حيث ارتسم الخط الوضيء الذي بلغته البشرية ..
يبقى الإسلام هناك- رحمة من الله بالبشرية- لعلها أن ترفع أقدامها من الوحل، وترفع عينيها عن الحمأة وتتطلع مرة أخرى إلى الخط الوضيء، وتسمع مرة أخرى حداء هذا الدين وتعرج مرة أخرى إلى القمة السامقة على حداء الإسلام ..
ونحن لا نملك- في حدود منهجا في هذه الظلال- أن نستطرد إلى أبعد من هذه الإشارة .. لا نملك أن نقف هنا تلك «الوقفة الطويلة» التي ندعو البشرية كلها أن تقفها أمام هذه النصوص ودلالتها. لتحاول أن تستشرف المدى الهائل الذي يرتسم من خلالها في تاريخ البشرية؛ وهي تصعد على حداء الإسلام من سفح الجاهلية الهابط، إلى القمة السامقة البعيدة .. ثم تهبط مرة أخرى على عواء «الحضارة المادية» الخاوية من الروح والعقيدة! ولتحاول كذلك أن تدرك إلى أين يملك الإسلام اليوم أن يقود خطاها مرة أخرى، بعد أن فشلت جميع التجارب، وجميع المذاهب، وجميع الأوضاع،