الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل يتوب تائبهم» فأنزل الله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إلى قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ.
كلمة في مقدمة الفقرة:
قلنا إن هذه الآيات الثلاث هي مقدمة الفقرة الثانية في المقطع الأول من القسم الثاني من سورة الأنعام، وقد عرضت علينا الآيات دعوى الكافرين أنهم إذا جاءتهم آية يؤمنون، وبينت أن الأمر ليس كذلك، فقد تأتي الآية ولا يؤمنون إذا لم يشإ الله إيمانهم، ومشيئة الله لا تنفك عن الحكمة؛ فلله سنن ولله حكم، ومن سنن الله أن يقلب أفئدة وأبصار الكافرين فلا يؤمنون، ولو كثرت عليهم الآيات؛ عقوبة لهم؛ لأن قلوبهم رفضت الإيمان مع قيام الحجة ابتداء، فهم وقفوا موقفا يستحقون به عقوبة استمرارهم على الكفر، فليبكوا على أنفسهم إذن بدلا من أن يقترحوا ويتعنّتوا، إنّهم محكومون بالمشيئة الإلهية، والمشيئة الإلهية مطلقة فليراجعوا أنفسهم. ولننتقل إلى
المجموعة الأولي
في الفقرة.
«المجموعة الأولى»
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا. أي وكما جعلنا لك أعداء من المشركين جعلنا لمن تقدّمك من الأنبياء أعداء؛ لما فيه من الابتلاء الذي هو سبب ظهور الثّبات والصبر وكثرة الثّواب والأجر شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً زخرف القول أي: المزوّق من القول وهو ما زيّنوه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والغرور هو ما يغتر به صاحبه، أو هو القول الخادع الذي يأخذ على غرّة والمعنى: يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض الكلام المزخرف الخادع وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ. أي: هذا الإيحاء، يعني: ولو شاء الله لمنع الشياطين من الوسوسة ولكنه امتحن بما يعلم أنّه أجزل في الثواب للمؤمنين فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ. أي:
فدعهم وما يفترونه عليك وعلى الله فإنّ الله يجازيهم وينصرك ويخزيهم
وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. أي: ولتميل إلى زخرف القول قلوب الكفار، والمعنى إن الشياطين يوحون زخرف القول ليغروا ولتميل إليه قلوب الكافرين بالآخرة
وَلِيَرْضَوْهُ. أي: الكافرون بالآخرة لأنفسهم وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ.
أي: وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الآثام.
يقول صاحب الظلال بمناسبة الكلام عن شياطين الإنس والجن في الآية:
وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض، ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبي، وللحق الذي معه، وللمؤمنين به، معروفة يملك أن يراها الناس في كل زمان فأما شياطين الجن- والجن كله- فهم غيب من غيب الله، لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به من عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .. ومن ناحية مبدأ وجود خلائق أخرى في هذا الكون غير الإنسان، وغير الأنواع والأجناس المعروفة في الأرض من الأحياء .. نقول من ناحية المبدأ نحن نؤمن بقول الله عنها، ونصدق بخبره في الحدود التي قررها. فأما أولئك الذين يتترسون «العلم» لينكروا ما يقرره الله في هذا الشأن؛ فلا ندري علام يرتكنون؟ إن علمهم البشري لا يزعم أنه أحاط بكل أجناس الأحياء، في هذا الكوكب الأرضي، كما أن علمهم هذا لا «يعلم» ماذا في الأجرام الأخرى، وكل ما يمكن أن «يفترضه» أن نوع الحياة الموجودة في الأرض يمكن أو لا يمكن في بعض الكواكب والنجوم .. وهذا لا يمكن أن ينفي- حتى لو تأكدت الفروض- أن أنواعا أخرى من الحياة وأجناسا أخرى من الأحياء يمكن أن تعمر جوانب أخرى في الكون لا يعلم هذا «العلم» عنها شيئا. فمن التحكم والتبجح أن ينفي أحد باسم «العلم» وجود هذه العوالم الحية الأخرى.
وأما من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن؛ والذي يتشيطن بعضه ويتمحض للشر والغواية- كإبليس وذريته- كما يتشيطن بعض الإنس .. من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن، نحن لا نعلم إلا ما جاءنا الخبر الصادق به عن الله- سبحانه- وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن نعرف أن هذا الخلق مخلوق من مارج من نار. وأنه مزوّد بالقدرة على الحياة في الأرض وفي باطن وفي خارج الأرض أيضا. وأنه يملك الحركة في هذه المجالات بأسرع مما يملك البشر. وأن منه الصالحين
المؤمنين، ومنه الشياطين المتمردين.
وأنه يرى بني آدم وبنو آدم لا يرونه- في هيئته الأصلية- وكم من خلائق ترى الإنسان ولا يراها الإنسان. وأن الشياطين منه مسلّطون على بني الإنسان يغوونهم ويضلونهم وهم قادرون على الوسوسة لهم، والإيحاء بطريقة لا نعلمها. وأن هؤلاء