الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الممكن أن تقوم هذه الملابسات، وأن تقع هذه الحوادث، وأن يحتاج الأمر إلى هذا التحذير المشدد، وإلى هذا التهديد المكرر، ثم إلى حقيقة اليهود، والتشهير بهم والتنديد، وإلى كشف كيدهم ومناوراتهم ومداوراتهم على هذا النحو، المنوع الأساليب. وقد ذكرت بعض الروايات أسبابا لنزول آيات في هذا الدرس؛ يرجع بعضها إلى حادث بني قينقاع بعد غزوة بدر. وموقف عبد الله بن أبي بن سلول. وقوله في ولائه لليهود وولاء اليهود له: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي!
وحتى بدون هذه الروايات، فإن الدراسة الموضوعية لطبيعة النصوص وجوّها، ومراجعتها على أحداث السيرة ومراحلها وأطوارها في المدينة، تكفي لترجيح ما ذهبنا إليه في تقديم السورة عن الفترة التي نزلت فيها .. »
نقول في موضوع الولاء:
لقد أفاض صاحب الظلال بمناسبة النّهي عن موالاة أهل الكتاب في موضوع الولاء وقد رأينا أن ننقل بعض كلامه:
- «إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شئ، واتخاذهم أولياء شئ آخر، لكنهما يختلطان على بعض المسلمين، الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته، بوصفه حركة منهجية واقعية، تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض، وفق التصور الإسلامي الذي يختلف عن سائر التصورات التي تعرفها البشرية؛ وتصطدم- من ثم- بالتصورات والأوضاع المخالفة، كما تصطدم بشهوات الناس وانحرافهم وفسوقهم عن منهج الله، وتدخل في معركة لا حيلة فيها، ولا بد منها، لإنشاء ذلك الواقع الجديد الذي تريده، وتتحرك إليه حركة إيجابية فاعلة منشئة ..
وهؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة ينقصهم الحس النقي بحقيقة العقيدة، كما ينقصهم الوعي الذكيّ لطبيعة المعركة وطبيعة موقف أهل الكتاب فيها؛ ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة الصريحة فيها، فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة. ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب .. بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة .. وأن هذا شأن ثابت
لهم، وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم. وأنهم مصرّون على الحرب للإسلام وللجماعة المسلمة. وأنهم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر .. إلى آخر هذه التقريرات الحاسمة.
أهل الكتاب هؤلاء هم الذين كانوا يقولون للذين كفروا من المشركين: هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا .. وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين ألّبوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة، وكانوا لهم درعا وردءا. وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين شنّوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام، وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذين شردوا العرب المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم، متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية! وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان .. في الحبشة والصومال واريترية والجزائر، ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية، في يوغسلافيا والصين والتركستان والهند، وفي كل مكان!.
وبمناسبة قوله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يقول صاحب الظلال:
لقد كان هذا تحذيرا عنيفا للجماعة المسلمة في المدينة. ولكنه تحذير ليس مبالغا فيه.
فهو عنيف. نعم، ولكنه يمثل الحقيقة الواقعة. فما يمكن أن يمنح المسلم ولاءه لليهود والنصارى- وبعضهم أولياء بعض- ثم يبقى له إسلامه وإيمانه، وتبقى له عضويته في الصف المسلم، الذي يتولى الله ورسوله والذين آمنوا .. فهذا مفرق الطريق.
وما يمكن أن يتميع حسم المسلم في المفاصلة الكاملة بينه وبين كل من ينهج غير منهج الإسلام، وبينه وبين كل من يرفع راية غير راية الإسلام، ثم يكون في وسعه بعد
ذلك أن يعمل عملا ذا قيمة في الحركة الإسلامية الضخمة التي تستهدف- أول ما تستهدف- إقامة نظام واقعي في الأرض فريد، يختلف عن كل الأنظمة الأخرى، ويعتمد على تصور متفرد عن كل التصورات الأخرى. إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم، الذي لا أرجحة فيه ولا تردد، بأن دينه هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس- بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبأن منهجه الذي كلفه الله أن يقيم الحياة عليه، منهج متفرد، لا نظير له بين سائر المناهج، ولا يمكن الاستغناء عنه بمنهج آخر، ولا يمكن أن يقوم مقامه منهج
آخر، ولا تصلح الحياة البشرية ولا تستقيم إلا أن تقوم على هذا المنهج وحده دون سواه، ولا يعفيه الله ولا يغفر له ولا يقبله إلا إذا بذل جهد طاقته في إقامة هذا المنهج بكل جوانبه:
الاعتقادية والاجتماعية، لم يأل في ذلك جهدا، ولم يقبل من منهجه بديلا- ولا في جزء منه صغير- ولم يخلط بينه وبين أي منهج آخر في تصور اعتقادي، ولا في نظام اجتماعي، ولا في أحكام تشريعية إلا ما استبقاه الله في هذا المنهج من شرائع من قبلنا من أهل الكتاب
…
إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم بهذا كله هو- وحده- الذى يدفعه للاضطلاع بعبء النهوض بتحقيق منهج الله الذي رضيه للناس؛ في وجه العقبات الشاقة، والتكاليف المضنية، والمقاومة العنيدة، والكيد الناصب، والألم الذى يكاد يجاوز الطاقة في كثير من الأحيان .. وإلا فما العناء في أمر يغني عنه غيره- مما هو قائم في الأرض من جاهلية .. سواء كانت هذه الجاهلية ممثلة في وثنية الشرك، أو فى انحراف أهل الكتاب، أو في الإلحاد السافر .. بل ما العناء في إقامة المنهج الإسلامي، إذا كانت الفوارق بينه وبين مناهج أهل الكتاب أو غيرهم قليلة، يمكن الالتقاء عليها بالمصالحة والمهادنة؟.
إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة؛ باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية، يخطئون فهم معنى الأديان، كما يخطئون فهم معنى التسامح. فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله. والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي .. إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم بأن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام، وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام ولا يقبل دونه بديلا؛ ولا يقبل فيه تعديلا- ولو طفيفا- هذا اليقين الذي ينشئه القرآن الكريم وهو يقرر: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ .. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ .. وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ..
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ .. وفي القرآن كلمة الفصل .. ولا على المسلم من تميع المتميعين وتمييعهم لهذا الدين». أقول: المطلوب من المسلم المفاصلة الاعتقادية أما أنواع المفاصلة الأخرى فتحكمها الفتوى.