الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضربا بالدرة، وجعل يقول أقتلت في الحرم وسفّهت الحكم؟ قال: ثم أقبل عليّ فقلت:
يا أمير المؤمنين لا أحل لك اليوم شيئا يحرم عليك مني، فقال: يا قبيصة بن جابر إني أراك شابّ السن، فسيح الصدر، بيّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب. وروى ابن جرير
…
عن ابن جرير البجلي قال: أصبت ظبيا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعدا، فحكما عليّ بتيس أعفر. وروى ابن جرير أيضا: أن أريد (وهو ابن عبد الله البجلي) أوطأ ظبيا فقتله وهو محرم. فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر (أي: رعى الماء والشجر) ثم قال عمر يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ.
4 -
لو أن الصحابة حكموا في صيد ما بمقابل، كما رأينا في حكمهم في مقابل بقرة الوحش ببقرة. هل يكتفى فيه بحكمهم، أو يحتاج القاتل إلى تحكيم مستأنف؟ قال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة، وجعلاه شرعا مقرّرا لا يعدل عنه، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين، وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد، سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا، لقوله تعالى:
يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ونحن لا نرغب أن نرجّح لمعرفتنا بقصورنا، ولكنّا هنا نلفت النظر إلى أنّ اشتراط التحكيم المستأنف فيه مصلحة متجدّدة، فمثلا قيمة النعامة قديما غير قيمتها حديثا.
5 - [التخيير بين كفارات صيد المحرم]
في قوله تعالى: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
…
أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً جعل مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في المشهور عنه أن «أو» هنا للتخيير، فالقاتل مخيّر بين هذا، أو هذا، ومن الفقهاء من ذهب إلى أنّها للترتيب، فلا تصح القيمة، أو الصيام إلا في حالة كون المصيد غير مثلي، أو في حالة عدم الوجود والقدرة، والأمر فيه سعة، والمهم أن نعرف أن ذبح الهدي محله في الحرم لمن اختاره جزاء، وما سواه فيه خلاف.
6 - [حل ميتة البحر]
روى ابن جرير أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال: «إنّ البحر قد قذف حيتانا كثيرة ميتة أفنأكلها؟ فقال: لا تأكلوها. فلمّا رجع عبد الله إلى أهله أحد المصحف فقرأ سورة المائدة فأتى هذه الآية وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ فقال
اذهب فقل له فليأكله، فإنّه طعامه». وقد استدلّ الجمهور على حلّ ميتة البحر بآية المائدة هذه، وبما رواه الإمام مالك بن أنس، عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا، قبل الساحل، فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمائة وأنا فيهم، قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوّتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: فما تغني تمرة؟ فقال: فقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظّرب فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ومرت تحتهما فلم تصبهما. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. وفي صحيح مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر: فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابّة يقال لها العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا.
نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا، لقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ويقتطع منه القدر كالثور، أو: كقدر الثور، قال: ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق، فلمّا قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال:«هو رزق أخرجه الله لكم، هل معكم من لحمه شئ فتطعمونا؟» قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله. وفي بعض روايات مسلم:
أنهم كانوا مع النّبي صلى الله عليه وسلم حين وجدوا هذه السمكة، فقال بعضهم: هي واقعة أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضية واحدة. ولكن كانوا أولا مع النّبي صلى الله عليه وسلم ثمّ بعثهم سريّة مع أبي عبيدة فوجدوا هذه في سريّتهم تلك مع أبي عبيدة، والله أعلم.
وروى مالك عن أبي هريرة قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». وقد روى هذا الحديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل السنن الأربعة، وصححه البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم. وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النّبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، والأدلة في أكل ميتة البحر واضحة كالشمس. ولا شك أن ما أنتن من الميتة إذا ترتب على أكله ضرر قطعي لا يجوز إلا في حالة الضرورة، وأما موضوع ما يجوز أكله