الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السلام- من دخول الأرض المقدسة، كانت معروفة للمسلمين قبل غزوة بدر في السنة الثانية الهجرية. وقد وردت إشارة إليها على لسان سعد بن معاذ الأنصاري- رضي الله عنه فى رواية، وعلى لسان المقداد بن عمرو في رواية، وهو يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذن والله لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ .. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما متبعون ..
الخ».
أما المراجعة الموضوعية فتصور الموقف بأنه كانت لليهود- في ذلك الوقت الذي نزلت فيه الآيات الخاصة بهم- قوة ونفوذ وعمل في المدينة، وفي الصف المسلم، مما اقتضى هذه الحملة لكشف موقفهم وإبطال كيدهم. وهذه القوة وهذا النفوذ كانا قد تضاءلا بعد وقعة بني قريظة، عقب غزوة الخندق، وقد تطهّرت الأرض من القبائل اليهودية القوية: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. فلم يكن لهم بعد الحديبية ما يدعو إلى العناية بشأنهم إلى هذا الحد. ثم لقد كانت فترة المهادنة معهم والخطة السلمية قد انتهت، ولم يعد لهما موضع بعد الذي بدا منهم فقول الله لنبيّه الكريم: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ .... لا بد سابق على هذه الفترة. وكذلك أمره بالحكم بينهم أو الإعراض عنهم .. ومن هذه الملاحظات يترجح لدينا أن مطالع السورة، وبعض مقاطعها هي التي نزلت بعد سورة الفتح؛ بينما نزلت مقاطع منها قبل ذلك، كما أن الآية التي فيها قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ لا بد أن تكون قد نزلت بعد ذلك. وأن السورة لم تنزل كلها مرة واحدة كما جاء في إحدى الروايات».
نقول من الظلال:
ننقل هنا عن الظلال متفرقات من كلامه في هذا المقطع ونضعها في تسلسل يشير إلى سياق المقطع:
إنه لا بد من ضوابط للحياة .. حياة المرء مع نفسه التي بين جنبيه؛ وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء عامة .. الناس من الأقربين والأبعدين، من الأهل
والعشيرة، ومن الجماعة والأمة؛ ومن الأصدقاء والأعداء .. والأحياء مما سخر الله للإنسان ومما لم يسخر .. والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض .. ثم ..
حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة.
«هذه الضوابط يسميها الله «العقود» .. ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود .. وافتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح. وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية. وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة. وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية. وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل.
وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله، والشهادة بالقسط، والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها، والحكم فيها بما أنزل الله كله؛ والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله؛ والحذر من عدم العدل تأثرا بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن .. افتتاح السورة على هذا النحو، والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة «العقود» معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله .. وفي أولها عقد الإيمان بالله؛ ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه، ومقتضى العبودية لألوهيته .. هذا العقد الذي تنبثق منه، وتقوم عليه سائر العقود، وسائر الضوابط في الحياة.
وعلى عقد الإيمان بالله، والعبودية لله، تقوم سائر العقود .. سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة الله، وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله، فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا، بصفتهم هذه، أن يوفوا بها. إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء، مستحثة لهم كذلك على الوفاء .. ومن ثم كان هذا النداء. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود
…
«إن الحديث عن الصلاة والطهارة، إلى جانب الحديث عن الطيبات من الطعام، والطيبات من النساء. وإن ذكر حكم الطهارة إلى جانب أحكام الصيد والإحرام والتعامل مع الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام .. إن هذا لا يجئ اتفاقا ومصادفة لمجرد السرد، ولا يجئ كذلك بعيدا عن جو السياق وأهدافه .. إنما هو يجئ في موضعه من السياق، ولحكمة في نظم القرآن.
إنها- أولا- لفتة إلى لون آخر من الطيبات .. طيبات الروح الخالصة .. إلى جانب
طيبات الطعام والنساء .. لون يجد فيه قلب المؤمن ما لا يجده في سائر المتاع. إنه متاع اللقاء مع الله، في جو من الطهر والخشوع والنقاء .. فلما فرغ من الحديث عن متاع الطعام والزواج ارتقى إلى متاع الطهارة والصلاة، استكمالا لألوان المتاع الطيبة في حياة الإنسان .. والتي بها يتكامل وجود «الإنسان» ثم اللفتة الثانية .. إن أحكام الطهارة والصلاة؛ كأحكام الطعام والنكاح، كأحكام الصيد في الحل والحرمة؛ كأحكام التعامل مع الناس في السلم والحرب .. كبقية الأحكام التالية في السورة ..
كلها عبادة لله. وكلها دين الله. فلا انفصام في هذا الدين بين ما اصطلح أخيرا- في الفقه- على تسميته «بأحكام العبادات» ، وما اصطلح على تسميته «بأحكام المعاملات» .
هذه التفرقة التي (وجدت في اصطلاحات العلماء) حسب مقتضيات «التصنيف» و «التبويب» . لا وجود لها في أصل المنهج الرباني، ولا في أصل الشريعة الإسلامية .. إن هذا المنهج يتألف من هذه وتلك على السواء .. وحكم هذه كحكم تلك في أنها تؤلف دين الله وشريعته ومنهجه، لا، بل إن أحد الشطرين لا يقوم بغير الآخر. والدين لا يستقيم إلا بتحقيقهما في حياة الجماعة المسلمة على السواء. كلها «عقود» من التي أمر الله المؤمنين في شأنها بالوفاء. وكلها «عبادات» يؤديها المسلم بنية القربى إلى الله. وكلها «إسلام» وإقرار من المسلم بعبوديته لله.
ليس هنالك «عبادات» وحدها و «معاملات» وحدها .. إلا في «التصنيف الفقهي» .. وكلتا العبادات والمعاملات بمعناها هذا الاصطلاحي .. كلها «عبادات» و «فرائض» و «عقود» مع الله. والإخلال بشيء منها إخلال بعقد الإيمان مع الله.
وهذه هي اللفتة التي يشير إليها النسق القرآني؛ وهو يوالي عرض هذه الأحكام المتنوعة في السياق.
«ومن الميثاق الذي واثق الله به الأمة المسلمة، القوّامة على البشرية بالعدل .. العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنآن؛ ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال. العدل المنبثق من القيام لله وحده بمنجاة من سائر المؤثرات ..
والشعور برقابة الله وعلمه بخفايا الصدور .. ومن ثم فهذا النداء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ