الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويشوهوه، ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل، حتى زلّوا عنه إلى الشرك وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ لأن شيئا ما لا يكون إلا بمشيئة الله، فالكائنات كلها بمشيئته فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ. أي: فدعهم وما يختلقونه من الإفك، أو فدعهم وافتراءهم، لأنّ ضرر ذلك الافتراء عليهم، لا عليك ولا علينا
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ. أي: للأصنام حِجْرٌ أي حرام لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ الزعم: قول بالظن يشوبه الكذب، وكانوا إذا عيّنوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: لا يطعمها إلا من نشاء، ثم لا يطعمونها إلا خدم الأوثان، والرجال دون النساء وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها هي البحائر، والسوائب، والحوامي وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا حالة الذبح، وفي حالات أخرى، وإنما يذكرون- إن ذكروا- أسماء الأصنام افْتِراءً عَلَيْهِ. أي: قسّموا أنعامهم فقسم حجر، وقسم لا يركب، وقسم لا يذكر اسم الله عليها، ونسبوا ذلك إلى الله افتراء عليه سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ هذا وعيد لهم
وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور لا يأكل منه الإناث، وما ولد ميتا اشترك فيه الذكور والإناث فهذا معنى قوله تعالى وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ. أي: سيجزيهم جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم إِنَّهُ حَكِيمٌ في جزائهم عَلِيمٌ باعتقادهم
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ إشارة إلى الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ لخفة أحلامهم وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم لا هم وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ من البحائر والسوائب وغيرها افْتِراءً عَلَى اللَّهِ إذ نسبوا ذلك إليه قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى الصواب في تحريمهم، وبهذا انتهت الفقرة الثالثة، وبها انتهى المقطع.
فوائد: [حول آيات الفقرة الثالثة]
1 -
روى ابن مردويه في تفسير الآية الأخيرة عن ابن عباس قال: إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. وهكذا رواه البخاري في صحيحه.
2 -
من الأقوال التي تعين على فهم آيات هذه الفقرة ما ننقله فيما يلي:
ا- روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى:
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ
…
إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا، أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزءا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شئ من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه شئ فيما سمّي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شئ من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقي ما
سمي للوثن، تركوه للوثن، وكانوا يحرّمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرّمونه قربة لله، فقال الله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً الآية وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدّي وغير واحد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية كل شئ يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
ب- قال أبو بكر بن عيّاش عن عاصم بن أبي النّجود: قال لي أبو وائل: أتدري ما في قوله وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا قلت: لا، قال:
هي البحيرة، كانوا لا يحجّون عليها. وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها، في شئ من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن نتجوا، ولا إن عملت شيئا.
ج- قال العوفي في قوله تعالى: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا
…
عن ابن عباس: فهو اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، فنهى الله عن ذلك. وكذا قال السدي. وقال الشعبي:«البحيرة» لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شئ أكله الرجال والنّساء. وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
أقول: إن الإنسان عند ما يشرّع لنفسه تخرج منه الأعاجيب فالحمد الله الذي جعلنا مسلمين لا نتلقى إلا عن الله ورسوله.