الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنه لا يأثم بذلك والله أعلم.
كلمة في السياق:
1 -
ورد في المقطع خمس مرات: نداء للمؤمنين، مرة بالأمر بالوفاء بالعقود، ومرة بعدم استحلال قضايا معيّنة، ومرة بالطّهارة. ومرة بالعدل. ومرة بتذكر نعمة الله أن كفّ أيدي الكافرين، وتكرر الأمر بالتقوى خلال ذلك كثيرا.
فإذا ما تذكرنا أن هذه السورة امتداد لسورة النّساء، وهي في الوقت نفسه تركّز على القضايا التي تنافي الإيمان، من نقض الميثاق، والفسوق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والفساد في الأرض، إذا ما تذكّرنا هذا عرفنا أهميّة هذه الأوامر التي ابتدأت بها السورة في مقطعها الأول، فعلينا أن ننتبه إلى أهميّة الوفاء بالعقود، وأهمية الصّلاة، وأهميّة العدل، وأهميّة تذكّر نعمة الله المتجددة بكفّ أيدي الكافرين عن استئصال المؤمنين، وكلّ ذلك مرتبط بقضيّة الإيمان والتقوى، والوفاء بالعهد مع الله.
2 -
لقد رأينا عند تفسير قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا أنّ من قال سمعنا وأطعنا فقد أعطى الله عهدا ولقد قالها كما قص الله علينا ذلك في سورة البقرة كل مؤمن آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا.
فعلى الإنسان أن يذعن قلبه، وجسمه، ولسانه، بالسمع والطاعة، وذلك عهد جديد له مع الله- عز وجل وعليه دائما أن يتذكر عهده مع الله، ومنّ مقتضى ذلك أن يكون عادلا. ومن مقتضى ذلك أن يكون طاهرا مصلّيا. ومن مقتضى ذلك ألا يرتكب حراما في فم أو فرج. ومن مقتضى ذلك ألا يهتك محارم الله. ومن مقتضى ذلك ألا يمدّ يده ليتعاون مع أحد على إثم وعدوان. ومن مقتضى ذلك أن يتعاون على البرّ والتقوى. ومن مقتضى ذلك أن يتذكّر نعمة الله عليه، وعلى المسلمين بنعمة الإسلام، ونعمة الرعاية. وذلك كله مرتبط بقوله تعالى من سورة البقرة:
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ.
فلكي لا نكون من هؤلاء فعلينا أن نلتزم بما أمرنا بالالتزام به في المقطع، وسيأتي
مقطع جديد يعطينا الله- عز وجل به دروسا في أمم وشعوب نقضوا العهد والميثاق مع الله- عز وجل فاستحقوا بذلك ما استحقوا.
3 -
قد يكون ما مرّ كافيا للتدليل على أنّ محور سورة المائدة هو قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. فإذا اتضح هذا فلنلاحظ أنه في سياق قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
…
قد ورد قوله تعالى: ذلِكُمْ فِسْقٌ وارتباط ذلك بقوله تعالى في المحور وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ لا يخفى.
وأنه في سياق قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
…
قد ورد قوله تعالى:
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ وصلة ذلك بقوله تعالى في المحور وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لا تخفى وأنه جاء في المقطع يا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ
…
ولهذا صلته بقوله تعالى الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ.
إن هذا كله يؤكّد أن المقطع فصّل فيما نتحرر به من الفسوق ودلّنا على ما لو وافقناه أو أهملناه أو خالفناه أو ارتكبناه فإننا نكون مستحقين الإضلال من الله- عز وجل.
4 -
من الملاحظ أن الآية الأولى في السّورة قد ورد فيها قوله تعالى غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وأنه قد جاءت الآيات التي تتحدث عن صيد المحرم في أواخر السورة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ (94) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
…
(95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً
…
(96).
وهذا يشير إلى ارتباط أول السّورة بآخرها، ويؤكد سياقها الواحد، كما يشير إلى أهمية امتناع المحرم عن الصيد؛ إذ بدأت به السورة بعد الأمر بالوفاء بالعقود، وفصّلت فيه فيما بعد، كما يشير إلى أن من أوائل ما يدخل في الوفاء بالعقود عقودنا مع الله- عز وجل بالسّمع والطاعة في كل ما أمر ونهى.
ولعلّه بذلك قد اتضح لنا إلى حدّ كبير سياق السورة وارتباطها بمحورها وسيزداد الأمر وضوحا فيما بعد فلننقل في نهاية الكلام عن المقطع بعض النقول ولنعقد بعض