الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمينا والمجتمع جاهلي، وكان يعبد الله والمجتمع جاهلي، وكان مطهرا من مواقعة عادات الجاهلية على غلبتها، وهذا لم يكن تكليفا، أفبعد أن منّ الله علينا بالتكليف والبيان، يصل بعض الناس إلى تعطيل أحكام الله بسبب فهم خاطئ لكلام رجل، كلامه في الأصل يحتمل الخطأ والصواب.
إنّه لمن أصعب أنواع الجهل ألّا يعرف إنسان أن يضع الكلمة التي يسمعها أو يقرؤها في محلها
ودعونا نتأمّل الآيات التي كتب فيها الشهيد رحمه الله ما كتب: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ
لقد وجد عيسى في مجتمع جاهلي كان على رأسه الرومان الوثنيون ولم يكن اليهود في ظل دولة مسلمة ومع ذلك لعنهم عيسى، السبب عصيانهم واعتداؤهم دون تحديد لهذا العصيان وهذا الاعتداء في الآية، ثم وصفهم الله عز وجل بقوله كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لاحظ تنكير كلمة (المنكر) الآتية في سياق نفي مما يعمّ كل منكر، ثم جاءت بعد ذلك آية تقول لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ دون تحديد لنوع الكلام الآثم ولا الحرام المأكول، أليس وضع أبناء المسلمين اليوم يشبه وضع المجتمع الذي وجد فيه عيسى عليه السلام، فهل إذا سكت علماؤنا وعبّادنا عن الكلمة الآثمة والكسب الحرام والاعتداء والعصيان والمنكر لا يكونون قد وقعوا فيما وقع فيه علماء بني إسرائيل. وهل الآيات فرّقت بين أصول وفروع؟
نرجوا أن نكون بهذا البيان قد وضعنا الأمور في مواضعها بالنسبة لهذا الموضوع الخطير.
نقول: [عن صاحب الظلال حول آية لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً
…
]
بمناسبة قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ يقول صاحب الظلال: إن الذي ألّب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة؛ وجمع بين اليهود .. من بني قريظة وغيرهم، وبين قريش في مكة، وبين القبائل الأخرى في
الجزيرة .. يهودي ..
والذي ألّب العوام، وجمع الشراذم، وأطلق الشائعات، في فتنة عثمان رضي الله عنه وما تلاها من النكبات .. يهودي ..
والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الروايات والسير .. يهودي ..
ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة؛ ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال «الدستور» بها في عهد السلطان عبد الحميد، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي أتاتورك .. يهودي ..
وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه يهود!
ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية .. يهودي .. ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي .. ووراء معظم النظريات الهدّامة لكل المقاسات والضوابط يهود!
ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا، وأعرض مجالا، من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون- على ضراوتها- قديما وحديثا .. إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها. وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول. أما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة؛ ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية .. (التي تعدّ الماركسية مجرد فرع لها) وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية».
وحتى لا يفهم فاهم من قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أنّ ذلك في النصارى جميعا، ومن أجل أن يفهم النص على ما أنزل عليه أنّه في النصارى الذين مآلهم الدخول في الإسلام متى عرض عليهم يقول صاحب الظلال: «وإذا كان الواقع التاريخي قد حفظ لليهود وقفتهم النكدة للإسلام منذ اليوم الأول الذي دخل فيه الإسلام عليهم المدينة؛ في صورة كيد لم ينته ولم يكف حتى اللحظة الحاضرة؛ وإذا كان اليهود لا يزالون يقودون الحملة ضد الإسلام في كل أرجاء الأرض اليوم في حقد خبيث وكيد لئيم .. فإن هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى
الصليبيين أنهم اتخذوا من الإسلام موقف العداء منذ واقعة اليرموك بين جيش المسلمين وجيوش الروم- فيما عدا الحالات التي وقع فيها ما تصفه الآيات التي نحن بصددها فاستجابت قلوب للإسلام ودخلت فيه. وفيما عدا حالات أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تحتمي بعدل الإسلام من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك، يلاقون من ظلمها الوبال! - أما التيار العام الذي يمثل موقف النصارى جملة فهو تلك الحروب الصليبية التي لم يخب أوارها قط- إلا في الظاهر- منذ التقى الإسلام
والرومان على ضفاف اليرموك!
لقد تجلت أحقاد الصليبية على الإسلام وأهله في الحروب الصليبية المشهورة طوال قرنين من الزمان، كما تجلت في حروب الإبادة التي شنتها الصليبية على الإسلام والمسلمين في الأندلس، ثم في حملات الاستعمار والتبشير على الممالك الإسلامية في إفريقية أولا، ثم في العالم كله أخيرا.
ولقد ظلت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية حليفتين في حرب الإسلام- على كل ما بينهما من أحقاد- ولكنهم كانوا في حربهم للإسلام كما قال عنهم العليم الخبير:
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ حتى مزقوا دولة الخلافة الأخيرة. ثم مضوا في طريقهم ينقضون هذا الدين عروة عروة. وبعد أن أجهزوا على عروة «الحكم» ها هم أولاء يحاولون الإجهاز على عروة «الصلاة» !
ثم ها هم أولاء يعيدون موقف اليهود القديم مع المسلمين والوثنيين. فيؤيدون الوثينة حيثما وجدت ضد الإسلام. عن طريق المساعدات المباشرة تارة، وعن طريق المؤسسات الدولية التي يشرفون عليها تارة أخرى! وليس الصراع بين الهند وباكستان على كشمير وموقف الصليبية منها ببعيد.
وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الأوضاع التي تتولى سحق حركات الإحياء والبعث الإسلامية في كل مكان على وجه الأرض. وإلباس القائمين بهذه الأوضاع أثواب البطولة الزائفة ودق الطبول من حولهم، ليستطيعوا الإجهاز على الإسلام، في زحمة الضجيج العالمي حول الأقزام الذين يلبسون أردية الأبطال!
هذا موجز سريع لما سجله الواقع التاريخي طوال أربعة عشر قرنا، من مواقف اليهودية والصليبية تجاه الإسلام، لا فرق بين هذه وتلك؛ ولا افتراق بين هذا المعسكر
وذاك في الكيد للإسلام، والحقد عليه، والحرب الدائبة التي لا تفتر على امتداد الزمن.
وهذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغدا، فلا ينساقون وراء حركات التمييع الخادعة أو المخدوعة، التي تنظر إلى أوائل النص القرآني- دون متابعة لبقيته، ودون متابعة لسياق السورة كله، ودون متابعة لتقريرات القرآن عامة، ودون متابعة للواقع التاريخي الذي يصدق هذا كله- ثم تتخذ من ذلك وسيلة لتخدير مشاعر المسلمين تجاه المعسكرات التى تضمر لهم الحقد وتبيت لهم الكيد؛ الأمر الذي تبذل فيه هذه المعسكرات جهدها، وهي بصدد الضربة الأخيرة الموجهة إلى جذور العقيدة.
إن هذه المعسكرات لا تخشى شيئا أكثر مما تخشى الوعي في قلوب العصبة المؤمنة- مهما قل عددها وعدتها- فالذين ينيمون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة.
وقد يكون بعضهم من الفرائس المخدوعة، ولكن ضررهم لا يقل- حينئذ- عن ضرر أعدى الأعداء، بل إنه ليكون أشد أذى وضررا.
***