الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولأن الأمر كذلك من الثقل، ومن الغرابة، ومن النفرة، ومن المقاومة لهذا التغيير الكامل الشامل الذي تستهدفه هذه العقيدة في حياة الناس وتصوراتهم، فإن السياق يباكر القوم بالتهديد القاصم، ويذكرهم بمصائر المكذبين. ويعرض عليهم مصارع الغابرين .. جملة قبل أن يأخذ في القصص المفصل عنهم في مواضعه من السياق: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ* فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ* فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ* وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ
«وفي الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم كان الكتاب منزلا إليه بشخصه كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ .. وفي الخطاب للبشر كان الكتاب- كذلك- منزلا إليهم من ربهم:
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ .. فأما الرسول صلى الله عليه وسلم فالكتاب منزل إليه ليؤمن به وينذر ويذكر. وأما البشر فالكتاب منزل إليهم من ربهم ليؤمنوا به ويتبعوه، ولا يتبعوا أمر أحد غيره .. والإسناد في كلتا الحالتين للاختصاص والتكريم والتخصيص والاستجاشة. فالذي ينزل له ربه كتابا، ويختاره لهذا الأمر. ويتفضل عليه بهذا الخير، جدير بأن يتذكر وأن يشكر، وأن يأخذ الأمر بقوة ولا يستحسر .. »
فوائد:
1 -
بمناسبة قوله تعالى: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم» حدثنا بذلك ابن حميد
…
عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم» قال: قلت لعبد الملك بن ميسرة (راوي الحديث عن ابن مسعود):
كيف يكون ذلك؟ قال فقرأ هذه الآية فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
2 -
بمناسبة قوله تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ أخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم
مسئول عن رعيته، فالإمام يسأل عن رعيته، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده» قال الليث: وحدثني ابن طاوس مثله، ثم قرأ فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة. وبمناسبة الآية نفسها قال الألوسي فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بيان- كما قال الطبرسي- لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي.
وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ماذا أجيبوا، والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم، والمنفي في قوله تعالى في سورة الرحمن فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ سؤال الاستعلام فلا منافاة بين الآيتين .....
«وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه يقال للذين أرسل إليهم: هل بلغكم الرسل؟ ويقال: للمرسلين ماذا ردوا عليكم. وأخرج أيضا عن أبي عبد الرحمن أنه تلا هذه الآية فقال: يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال يقول ربك: ألم أجعل لك جسدا ففيم أبليته؟ ألم أجعل لك علما ففيم عملت بما علمت؟ ألم أجعل لك مالا ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته؟. وأخرج هو وغيره عن طاوس أنه قرأ ذلك فقال: الإمام يسأل عن الناس، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده» ولعل الظاهر أن سؤال كل من المرسل إليهم والمرسلين هنا عن أمر يتعلق بصاحبه، ولا يأبى هذا أن المكلفين يسألون عن أمور أخر، والمواقف يوم القيامة شتى، ويسأل السيد ذو الجلال عباده فيها عن مقاصد عديدة فطوبى لمن أخذ بعضده السعد فأجاب بما ينجيه.
وتخصيص سؤال المرسلين عليهم السلام بما ذكرنا هو الذي تشهد به الأخبار وتدل عليه الآثار وفي القرآن ما يؤيد ذلك فقد قال سبحانه يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ. (المائدة: 109)
3 -
بمناسبة قوله تعالى وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ قال الألوسي عن هذا الموضوع:
«والوزن- كما قال الراغب- معرفة قدر الشئ يقال: وزنته وزنا وزنة، والمتعارف فيه عند العامة ما يقدر بالقسطاس والقبان. واختلف في كيفيته يوم القيامة.
والجمهور- كما قال القاضي- على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان لينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألون عن أعمالهم
فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم، ولا تعرض لهم لماهية هاتيك الصحائف والله تعالى أعلم بحقيقتها.
ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه. والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فيقول سبحانه: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون فيقول: لا يا رب فيقول سبحانه: أفلك عذر وحسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب فيقول جل شأنه: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة من هذه السجلات؟ فيقال إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة
في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله تعالى شئ» وهذه الشهادة- على ما قاله القرطبي نقلا عن الحكيم الترمذي- ليست شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في إحدى كفتيه شئ وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، ومن المستحيل أن يؤتي لعبد واحد بكفر وإيمان معا، فيستحيل أن توضع شهادة التوحيد في الميزان أما بعد الإيمان فإن النطق بهذه الكلمة الطيبة حسنة فتوضع في الميزان كسائر الحسنات. وأيد ذلك بقوله جل وعلا في الحديث «إن لك عندنا حسنة» دون أن يقول سبحانه: إيمانا.
واللالكائي عنه قال: يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه فتقول الملائكة. من يزن هذا؟ الحديث، اه كلام الألوسي
قال ابن كثير بمناسبة ذكر المؤمنين في الآية:
(فصل) والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما قال البغوي:«يروى هذا عن ابن عباس» كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان- أو غيايتان- أو فرقان من طير صواف. ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك. وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الروح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح» وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. وقيل: يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله: فيقول يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة» رواه الترمذي بنحو من هذا وصححه. وقيل: يوزن صاحب العمل كما في الحديث «يؤتي يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة» ثم قرأ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتعجبون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد» وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا. فتارة توزن الأعمال. وتارة محالها، وتارة يوزن فاعلها. والله أعلم»
أقول: لقد تسرع بعضهم في المقام إذ أنكر على أهل العلم تحقيقاتهم، فما كل من حقق في مثل هذه الشئون حقق بعقلية غير إسلامية، ولا كل من تكلم تكلم ليجادل، إن هناك كثيرا من الأمور لا بد فيها من التحقيق، وإذا ترك أهل الحق الكلام فيها فإن ذلك يعطي فرصا لأهل الضلال أن يشككوا أو ينتقدوا.