الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَلِيلًا قللهم في أعينهم ليثبتوا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ليدفعهم إلى قتالكم لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي ليلقي بينكم وبينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه، ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلا من الفريقين بالآخر لينصر حزبه وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فيحكم بما يريد وقد حكم لأهل الإيمان.
كلمة في السياق:
سبق هذا المقطع بوعد من الله للمتقين أن يكافئهم، بأن يجعل لهم فرقانا، وقد اختلف المفسرون في معنى كلمة الفرقان كما رأينا، ولكن المقطع نفسه يوضح ماهية الفرقان، وخاتمة المقطع توضح ماهية الفرقان، وتسمية يوم بدر بأنه يوم الفرقان يوضح كذلك ماهية هذا الفرقان.
وقد رأينا في المجموعة الأولى نموذجا على الفرقان: وهو إفساد كيد الكافرين لرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد رأينا في المجموعة الثانية نموذجا على الفرقان بإضاعة مال الكافرين، وغلبتهم، وإدخالهم النار. وقد رأينا في المجموعة الثالثة نموذجا على الفرقان، بما فعل الله للمسلمين يوم بدر حتى أعطاهم الفرقان، وفي هذا المقطع تأتي أربعة أوامر.
الأمر الأول: أن يقول الرسول للكافرين إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
الأمر الثاني: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .. وهو أعظم أوامر القتال في الإسلام وأبعدها غاية.
الأمر الثالث: أن يعلم المسلمون أن الله مولاهم.
والأمر الرابع: أن يعلم المسلمون حكم الله في الغنائم.
والأوامر الأربعة مهمة جدا في موضوع القتال، وكلها تحتاج إلى تقوى، وكلها تحتاج إلى معرفة بالله، وثقة بوعده، ومن ثم جاءت في خضم هذا المقطع المربي المهذب، الذي أكثر الله فيه من ضرب الأمثلة.
الأمر الأول أمر بالتبليغ، وللتبليغ مشقاته، والأمر الثاني فيه تكليف بالسيطرة على العالم ولهذا مشقاته وعقباته، والأمر الثالث أمر بالتوكل على الله، والقلب فيه قد لا يواتي الإنسان، والأمر الرابع في إعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم في الغنيمة، وهذا يحتاج إلى تقوى عظيمة، ومن ثم كان هذا المقطع يرفع الهمم إلى التقوى كما يذكر
المسلمين بفعل الله لهم لتنفذ هذه الأوامر بملء الثقة وبكامل الطاعة.
ولا شك أن الأمة الإسلامية فرطت كثيرا في شأن القوة العسكرية. ولكن هذا لا يعفى من البداية الصحيحة.
مما مر ندرك صلة المقطع بالآية التي قبله مباشرة، ومن قبل عرضنا ما له صلة بوحدته، فلقد انتهى المقطع بالكلام عما فعل الله للمسلمين في بدر، وذلك بعد الآية التي أمرت المسلمين بتخميس الغنائم، مما يشير إلى أن تخميس الغنائم مظهر من مظاهر شكر الله على فعله وإنعامه، وقد جاء الأمر بتخميس الغنائم بعد الأمر بالقتال، لأن الغنائم أثر من آثار الحركة الجهادية، والأمر بالقتال قد جاء وفيه تعليل لسبب فرضية القتال، وهي فتنة المؤمنين عن دين الله، ومن قبل ذكر الله عز وجل مجموعة من أفعال الكافرين التي تقتضي قتالهم من مثل مكرهم بالمؤمنين، وكبرهم وعنادهم، ومن مثل صدهم عن سبيل الله، وإنفاقهم الأموال من أجل ذلك، وكل ذلك يسبب فتنة المؤمنين عن دينهم، ولا تزول هذه الفتنة إلا بقتال، وإلا إذا كانت كلمة الله هي العليا، فالمقطع له وحدته، وهو مرتبط بالآية التي قبله مباشرة، وهو بمثابة المقدمة للمقطع اللاحق، الذي يعود السياق فيه إلى طريقة الخطاب المباشر بصيغة يا أَيُّهَا* للمؤمنين ولرسول الله صلى الله عليه وسلم
وأما محله في السياق القرآني العام فواضح:
فمحور السورة هو ما رأيناه من سورة البقرة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ
…
* يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه
…
إن المقطع يعلل لفرضية القتال، ويبين الطريق لإزالة الفتنة التي هي أكبر من القتل، ويبين أن المشركين ليسوا أصحاب الحق في المسجد الحرام.
فلنلاحظ الصلة بين قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وبين قوله تعالى وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
…
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ثم مع قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثم قوله تعالى وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ* إن المقطع شديد التلاحم مع بعضه، شديد التلاحم مع الآية التي سبقته، شديد التلاحم مع مقدمة السورة وقسمها الأول، شديد التلاحم مع المحور.