الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها أي وما ينبغي لنا وما يصح إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا أي إلا أن يكون سبق في مشيئته أن نعود فيها إذ الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى خيرها وشرها وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي هو عالم بكل شئ فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف تتقلب عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويوفقنا لازدياد الإيقان، ويحمينا من مراد الأعداء رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي احكم، والفتاحة الحكومة، والقضاء بالحق يفتح الأمر المغلق، فلذا سمي فتحا، وكان أهل عمان يسمون القاضي فتاحا. وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ أي خير الحاكمين.
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ أي مغبونون لفوات فوائد البخس والتطفيف باتباعه لأنه ينهاكم عنها ويحملكم على الإيفاء والتسوية
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الزلزلة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ أي ميتين
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي كأن لم يقيموا فيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ لا من اتبعه- كما زعم الكافرون- وفي التعبير ما يفيد:
الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بأن أهلكوا كأن لم يقيموا في دارهم؛ لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم الله، الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه فهم الرابحون، وفي التكرار مبالغة واستعظام لتكذيبهم ولما جرى عليهم
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ بعد ما نزل بهم العذاب وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى أي أحزن عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ويحتمل أنه يريد لقد أعذرت لكم في الإبلاغ والتحذير مما حل بكم، فلم تصدقوني فكيف آسى عليكم. كما يحتمل أنه حزن على قومه ثم أنكر على نفسه فقال: كيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم؛ لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم.
نقول:
قال صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
لقد دعاهم إلى أعدل خطة. ولقد وقف عند آخر نقطة لا يملك أن يتراجع وراءها خطوة
…
نقطة الانتظار والتريث والتعايش بغير أذى وترك كل وما اعتنق من دين.
حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من
الناس لا تدين للطاغوت. إن وجود جماعة مسلمة في الأرض، لا تدين إلا لله، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه، ولا تحكم في حياتها شرعا إلا شرعه، ولا تتبع في حياتها منهجا إلا منهجه .. إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت- حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها وتركت الطواغيت لحكم الله حتى يأتي موعده.
إن الطاغوت يفرض المعركة فرضا على الجماعة المسلمة- حتى لو آثرت هي ألا تخوض معه المعركة- إن وجود الحق في ذاته يزعج الباطل. وهذا الوجود ذاته هو الذي يفرض عليه المعركة مع الباطل .. إنها سنة الله لا بد أن تجري .. قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا. هكذا في تبجح سافر، وفي إصرار على المعركة لا يقبل المهادنة والتعايش! إلا أن قوة العقيدة لا تتلعثم ولا تتزعزع أمام التهديد والوعيد .. لقد وقف شعيب عليه السلام عند النقطة التي لا يملك أن يتزحزح وراءها خطوة .. نقطة المسالمة والتعايش- على أن يترك لمن شاء أن يدخل في العقيدة التي يشاء، وأن يدين للسلطان الذي يشاء:
في انتظار فتح الله وحكمه بين الفريقين- وما يملك النبي أن يتراجع خطوة واحدة وراء هذه النقطة، تحت أي ضغط أو أي تهديد من الطواغيت .. وإلا تنازل كلية عن الحق الذي يمثله .. فلما أن تلقى الملأ المستكبرون عرضه هذا بالتهديد بالإخراج من قريتهم أو العودة في ملتهم، صدع شعيب بالحق، مستمسكا بملته، كارها أن يعود في الملة الخاسرة التي أنجاه الله منها، واتجه إلى ربه وملجئه ومولاه يدعوه ويستنصره ويسأله وعده بنصرة الحق وأهله:
قالَ: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ؟ قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها. وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.
وفي هذه الكلمات القلائل تتجلى طبيعة الإيمان، ومذاقه في نفوس أهله، كما تتجلى طبيعة الجاهلية ومذاقها الكريه. كذلك نشهد في قلب الرسول ذلك المشهد الرائع ..
مشهد الحقيقة الإلهية في ذلك القلب وكيف تتجلى فيه. قالَ: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ؟.
يستنكر تلك القولة الفاجرة: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا .. يقول لهم: أتجبروننا على ما نكره من ملتكم التي أنجانا الله
منها!! قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها إن الذي يعود إلى ملة الطاغوت الجاهلية، التي لا يخلص فيها الناس الدينونة والطاعة لله وحده، والتي يتخذ الناس فيها أربابا من دون الله يقرون لهم بسلطان الله .. إن الذي يعود إلى هذه الملة- بعد إذ قسم الله له الخير وكشف له الطريق، وهداه إلى الحق، وأنقذه من العبودية للعبيد- إنما يؤدي شهادة كاذبة على الله ودينه، شهادة مؤداها أنه لم يجد في ملة الله خيرا فتركها وعاد إلى ملة الطاغوت! وأن وجودها لا يتنافى مع الإيمان بالله. فهو يعود إليها ويعترف بها بعد أن آمن بالله .. وهي شهادة خطيرة أخطر من شهادة من لم يعرف الهدى، ولم يرفع راية الإسلام. شهادة الاعتراف براية الطغيان وراء اغتصاب سلطان الله في الحياة.
وكذلك يستنكر شعيب- عليه السلام ما يتهدده به الطغاة من إعادته هو والذين آمنوا معه إلى الملة التي أنجاهم الله منها: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها.
وما من شأننا أصلا: وما ينبغي لنا قطعا أن نعود فيها .. يقولها وأمامه التهديد الذي يزاوله الطاغوت في كل أرض مع الجماعة المسلمة، والتي تعلن خروجها عن سلطانه، ودينونتها لله وحده بلا شريك معه أو من دونه.
إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة لله وحده- مهما عظمت وشقت- أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت! إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة- مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق! إنها تكاليف بطيئة طويلة مديدة! تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته. فهذه «الإنسانية» لا توجد، والإنسان عبد للإنسان- وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان؟! وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر به، ورضاه أو غضبه عليه؟! .. وأي عبودية شر من أن تتعلق مصائر إنسان بهوى مثله ورغباته وشهواته؟! وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان؟!
على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني الرفيعة .. إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس- في حكم الطواغيت- أموالهم التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج. كما يكلفهم أولادهم إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات والأخلاق والتقاليد والعادات فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها، فيذبحهم على مذبح هواه ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه! ثم