الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ هذا وصف للمنافقين بالظلم والنص فيه تهديد لهم
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ بصد الناس وبرجوعهم يوم أحد وغير ذلك من فعلهم القبيح في الكيد للإسلام ورسوله وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي ودبروا لك الحيل والمكايد، ودوروا الآراء في إبطال الإسلام، ونفوذ أمر رسوله حَتَّى جاءَ الْحَقُّ أي النصر والتأييد وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ أي وغلب دينه وعلا شرعه وَهُمْ كارِهُونَ أي علا أمر الله على رغم منهم، وبهذه المجموعة من الآيات تحدد حال المعتذرين عن الجهاد، وتحدد وضعهم، وتحددت العوامل التي أقعدتهم، وتبين أن عدم وجودهم في الصف لمصلحة الصف، ولئن عوتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن لهم فذلك من أجل فضحهم، وإلا فقد كانت الحكمة ظاهرة في قعودهم.
الفوائد:
1 -
قال الألوسي في قوله تعالى: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تنبيه على أنه ينبغي أن يستدل عليه الصلاة والسلام باستئذانهم على حالهم ولا يأذن لهم أي ليس من شأن المؤمنين وعادتهم أن يستأذنوك في أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فإن الخلص منهم يبادرون إليه من غير توقف على الإذن فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعا طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه).
وقال الألوسي في قوله تعالى: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ أي في التخلف الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تخصيص الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعث على الجهاد والمانع عنه الإيمان بهما وعدم الإيمان فمن آمن بهما قاتل في سبيل دينه وتوحيده وهان عليه القتل فيه لما يرجوه في اليوم الآخر من النعيم المقيم ومن لم يؤمن بمعزل عن ذلك، على أن الإيمان بهما مستلزم للإيمان بسائر ما يجب الإيمان به وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ عطف على الصلة، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الريب وتقرره فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ وشكهم المستمر في قلوبهم يَتَرَدَّدُونَ أي يتحيرون» أقول:
دلت الآية الأولى على أن الجهاد- إذا تعين- لا يحتاج إلى استئذان وهذا موضوع مهم في عصرنا.
لقد رأينا مذهب الإمام مالك، أنه إذا لم يبلغ المجاهدون اثني عشر ألفا لا يفترض عليهم أن يقاتلوا من غير أحكام الله وبدلها ولكن إذا لم يفترض عليهم فإنه جائز لهم، فإذا ما رغب أفراد أن يقاتلوا الذين غيروا وبدلوا فإن لهم ذلك، ولا يحتاجون إلى إذن أحد في ذلك إلا إذا ترتب على ذلك أن تستضر جهات مسلمة غيرهم بسبب ذلك فعليهم أن يستأذنوها أو يعملوا على ألا يلحق غيرهم ضرر بسببهم، وهو موضوع يحتاج إلى فتوى أهلها وتحتاج الفتوى فيه إلى موازنات متعددة.
2 -
قال النسفي: (وقيل شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من الأسارى فعاتبه الله، وفيه دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام لأنه عليه الصلاة والسلام إنما فعل ذلك بالاجتهاد وإنما عوتب- مع أن له ذلك- لتركه الأفضل، وهم يعاتبون على ترك الأفضل).
3 -
وفي قوله تعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ قال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي بن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم فثبطهم الله لعلمه بهم إن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم فقال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ.
4 -
إن من المجمع عليه ألا يكتب المصحف إلا برسم الصحابة له وذلك لأن هذا الرسم هو الذي يستوعب قراءات القرآن، وهو الذي حفظ به القرآن أول مرة، وهو الذي لا اختلاف عليه، وهو الذي منع الاختلاف أول مرة، وبإبقائه على ما هو عليه تبقى الأمة غير مختلفة فيه وهذا سبب وجود بعض الأحرف وبعض أنواع الرسم الذي يختلف عن إملائنا الحالي ومن ذلك ما ذكره النسفي في كلمة في النص السابق قال: وخط في المصحف ولا أوضعوا بزيادة الألف لأن الفتحة كانت تكتب ألفا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفا وفتحها ألفا أخرى، ونحو (أولا أذبحنه).
5 -
وفي قوله تعالى عن المنافقين يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ قال الألوسي: أي يطلبون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم وتهويل أمر العدو عليكم، وإلقاء الرعب في قلوبكم،
وهذا هو المروي عن الضحاك. وعن الحسن أن الفتنة بمعنى الشرك أي يريدون أن تكونوا مشركين.
وبعد أن أجملت المجموعة السابقة موقف المنافقين جملة من النفير تأتي الآن مجموعات كل مجموعة تتحدث عن نموذج من نماذج النفاق من خلال موقفهم من النفير. النموذج الأول: نموذج يعتذر عن الجهاد بحجة ظاهرها أنها حجة يمليها الدين وهو كاذب منافق.
وهذا هو النموذج
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي أي في التخلف عن الجهاد والنفير وَلا تَفْتِنِّي أي ولا توقعني في الفتنة- وهي الإثم- بألا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت، أو لا تلقني في الهلكة فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي، والآية عامة تدخل فيها صور كثيرة وسبب النزول يحدد أحد معانيها وسنذكره أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها بتخلفهم عما فرضه الله وأي فتنة أعظم من القعود عن الجهاد وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أي لا محيد لهم عنها ولا محيص ولا مهرب لأن أسباب الإحاطة معهم، هذا هو النموذج الأول وأصحابه يعتذرون عن الجهاد بصورة عذر ظاهره شرعي وهم منافقون في الحقيقة بدليل عواطفهم التي عبرت عنها الآية اللاحقة وهي
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ أي ظفر وغنيمة في غزوة تَسُؤْهُمْ لأن عواطفهم كافرة لا تفرح لفرح أهل الإيمان وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ أي نكبة وشدة في بعض غزواتك يَقُولُوا مفتخرين بشدة احتراسهم، راغبين بأنفسهم أن يصيبهم ما أصاب المؤمنين قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم مِنْ قَبْلُ أي من قبل ما حدث من النكبة والشدة وَيَتَوَلَّوْا أي ويعرضوا وَهُمْ فَرِحُونَ أي مسرورون
وهنا يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء ثلاثة معان. المعني الأول قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا أي ما قضى لنا من خير وشر هُوَ مَوْلانا الذي يتولانا ونتولاه وهو الذي يرعى شأننا كله، ومهما أصابنا من شئ فهو- وإن كان ظاهره شرا فإنه في النهاية- خير لنا في دنيانا وأخرانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي وحق المؤمنين ألا يتكلوا على غير الله ونحن متوكلون على ربنا ومنفذون أمره فلا تشمتوا بما يصيبنا فهو الذي يعوض علينا ويبدل عسرنا يسرا وهزيمتنا انتصارا.
المعنى الثاني قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا أي تنتظرون بنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ تثنية حسنى وهما هنا النصر أو الشهادة وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ إحدى السوءيين وهما أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ كما عذب غيركم من الكافرين أَوْ بِأَيْدِينا بأن نقتلكم بكفركم فَتَرَبَّصُوا أي بنا ما ذكرنا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ أي منتظرون ما هو عاقبتكم.
المعنى الثالث الذي أمر الله رسوله أن يقوله لهؤلاء المنافقين قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي طائعين أو
مكرهين لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ أي إنفاقكم سواء أنفقتم طوعا أو كرها. ثم علل سبب عدم قبول نفقتهم بقوله: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ والله إنما يتقبل من المتقين ومعنى فاسقين: أي متمردين عاتين ومعنى قوله: طوعا في الآية أي: من غير إلزام من الله ورسوله، ومعنى قوله كرها: أي ملزمين، وسمي الإلزام إكراها لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم كالإكراه،
ثم ذكر سببا آخر لعدم قبول نفقاتهم فقال:
وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا ما يأتي أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ أي كفرهم وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى جمع كسلان. فكفرهم أولا وكسلهم عن الصلاة ثانيا، ورياؤهم بالنفقة ثالثا وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ هذه الأسباب الثلاثة منعتهم قبول صدقتهم، وقد وصفهم من قبل بالإنفاق الطوعي أحيانا، وسلب الإنفاق الطوعي عنهم أصلا هنا لأن المراد بطوعهم هناك أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من رؤسائهم وما طوعهم إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار،
وبعد أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء المنافقين ما رأيناه نهاه بعد ذلك أن يعجبه ما هم فيه من الدنيا فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ أي لا تستحسن ما أوتوا من زينة الدنيا ومعنى الإعجاب أن تسر بالشئ سرور راض به، متعجب من حسنه، ثم بين أن ما أوتوه ما هو إلا عذاب لهم فقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي فإن الله أعطاهم ما أعطاهم ليعذبهم بالمصائب فيها أو بالإنفاق منه في أبواب الخير وهم كارهون له، أو بنهب أموالهم وسبي أولادهم، أو بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها وكل هذا عذاب ومع هذا العذاب عذاب آخر وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ أصل الزهوق: الخروج بصعوبة. أي وتخرج أرواحهم وهم كفرة، وفي ذلك العذاب الأكبر، وفي الآية دليل على بطلان قول المعتزلة بوجوب الأصلح على الله وبأن المعاصي ليست بإرادة الله، لأن الآية أخبرت أن إعطاء الأموال والأولاد لهم للتعذيب، والإماتة على الكفر، وإرادة العذاب إرادة لما يعذب به صاحبه وكل ذلك حجة على المعتزلة. ولنرجع إلى السياق:
فبعد أن صور الله لنا هذا النموذج وأخبرنا عما يقول وعما نجيبه، ونهانا عن الإعجاب بما هم فيه أكمل وصفهم بآيتين فقال:
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي لمن جملة المسلمين وَما هُمْ مِنْكُمْ لأن عواطفهم مع الكافرين وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ أي يخافون فمن جبنهم وخوفهم أن تقتلوهم، يتظاهرون بالإسلام تقية
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أي مكانا يلجئون إليه متحصنين في