المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ثابت قد أثبته في التوراة والإنجيل والقرآن وهو دليل على - الأساس في التفسير - جـ ٤

[سعيد حوى]

فهرس الكتاب

- ‌كلمة في آفاق الوحدة القرآنية بين يدي المجلد الرابع

- ‌سورة الأعراف

- ‌كلمة في سورة الأعراف ومحلها في السياق القرآني ومحورها:

- ‌ نقول

- ‌كلمة في أقسام سورة الأعراف ومقاطعها

- ‌[القسم الاول]

- ‌مقدمة السورة

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ المقطع الأول:

- ‌«الفقرة الأولى»

- ‌المعنى العام للمقطع:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌المعنى الحرفي للفقرة الأولى:

- ‌نقول وفصول:

- ‌فصل: في مظاهر من الكبر:

- ‌فصل: في التواضع:

- ‌فصل: في مناقشة التطوريين:

- ‌فصل: في حكمة إنظار إبليس:

- ‌فصل: في تعقيبات على قصة آدم:

- ‌فوائد:

- ‌[الفقرة الثانية]

- ‌المجموعة الأولى

- ‌يقول صاحب الظلال:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌فائدة:

- ‌ولنعد إلى التفسير:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌تعليقات:

- ‌كلمة فى السياق:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في سياق المجموعة:

- ‌تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية

- ‌فائدة:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌تفسير الفقرة الثالثة:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌[القسم الثاني]

- ‌ المقطع الأول من القسم الثاني

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى السياق:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌نقول:

- ‌فائدة:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌بين يدي الكلام عن المقاطع الثلاثة الآتية بالسورة

- ‌ المقطع الثاني من القسم الثاني:

- ‌تلخيص لمعاني المقطع:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فائدة:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌ملاحظات على هذه النقول:

- ‌المقطع الثالث من القسم الثاني

- ‌كلمة في السياق:

- ‌المعنى العام:

- ‌ المعنى الحرفي

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد حول الآية:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فوائد حول المقطع:

- ‌نظرة في كتاب العهد القديم فيما يخص المقطع:

- ‌في الإصحاح الرابع والعشرين في سفر الخروج:

- ‌فصل: في البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ المقطع الرابع في القسم الثاني

- ‌كلمة في سياق المقطع:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌فائدة:

- ‌ولنعد إلى السياق:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى السياق:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌القسم الثالث من سورة الأعراف

- ‌استعراض لمعاني القسم:

- ‌المعنى العام للقسم:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في سياق هذا القسم:

- ‌كلمة في سورة الأعراف:

- ‌سورتا الأنفال وبراءة

- ‌كلمة في محل السورتين ضمن السياق القرآني العام

- ‌سورة الأنفال

- ‌[القسم الاول]

- ‌مقدمة السورة

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌المقطع الأول من القسم الأول

- ‌ المعني العام

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى السياق

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فائدة:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ المقطع الثاني من القسم الأول:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌مسألة مهمة:

- ‌قال الجصاص عند قوله تعالى:

- ‌فوائد

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فائدة:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ القسم الثاني

- ‌ المقطع الأول من القسم الثاني

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي للمجموعة الأولى:

- ‌فوائد:

- ‌المعنى الحرفى للمجموعة الثانية:

- ‌فائدة:

- ‌المعنى الحرفي للمجموعة الثالثة:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌الفوائد:

- ‌قضيتان مهمتان:

- ‌ المقطع الثاني من القسم الثاني

- ‌كلمة في هذا المقطع

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي للفقرة الأولى:

- ‌كلمة في آيات القتال:

- ‌فوائد

- ‌كلمة في السياق:

- ‌التفسير الحرفي للفقرة الثانية من المقطع الثاني من القسم الثاني:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ خاتمة سورة الأنفال

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في سورة الأنفال:

- ‌سورة التوبة

- ‌كلمة في سورة التوبة:

- ‌القسم الأول

- ‌بين يدي هذا القسم:

- ‌المعنى العام:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌فائدة:

- ‌المعنى الحرفي للمقطع الأول:

- ‌فوائد:

- ‌ولننتقل الآن إلى التفسير الحرفي للمقطع الثاني:

- ‌فوائد:

- ‌المعنى الحرفي للمقطع الثالث:

- ‌[الفقرة الأولى]

- ‌فائدة:

- ‌فوائد:

- ‌قال الألوسي:

- ‌المعنى الحرفي للفقرة الثانية من المقطع الثالث:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌القسم الثاني من سورة براءة

- ‌المقطع الأول

- ‌المعنى العام:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ التفسير الحرفي

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌الفوائد:

- ‌فائدة:

- ‌ولنعد إلى السياق:

- ‌فوائد

- ‌فائدة:

- ‌ الفوائد

- ‌فوائد:

- ‌المقطع الثاني من القسم الثاني

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌الفوائد:

- ‌الفوائد:

- ‌الفوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌فصل: في الكينونة مع الصادقين:

- ‌المقطع الثالث من القسم الثاني

- ‌كلمة بين يدي هذا المقطع:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي

- ‌الفوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌القسم الثالث والأخير

- ‌كلمة في هذه الآيات:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌الفوائد:

- ‌كلمة في أواخر سورة براءة

- ‌كلمة في سورتي الأنفال وبراءة

- ‌كلمة حول القسم الأول من أقسام القرآن:

- ‌ملاحظات حول هذا القسم:- ملاحظات للمربين

الفصل: ثابت قد أثبته في التوراة والإنجيل والقرآن وهو دليل على

ثابت قد أثبته في التوراة والإنجيل والقرآن وهو دليل على أن كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ لا أحد أوفى بعهده من الله لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا فكيف بأكرم الأكرمين، وأي ترغيب في الجهاد هذا الترغيب؟ وأين البائعون؟ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ أي فافرحوا غاية الفرح بهذا البيع، فإنكم تبيعون فانيا بباق وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وأي ربح أعظم من الجنة؟ ولكن من هم المرشحون لهذا البيع؟

التَّائِبُونَ الذين تابوا من الشرك وتبرءوا من النفاق وإذا واقعوا المعصية أنابوا مباشرة الْعابِدُونَ أي الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة الْحامِدُونَ الله على نعمة الإسلام وعلى كل نعمة السَّائِحُونَ أي الصائمون، أو طلبة العلم؛ لأنهم يسيحون في الأرض يطلبونه من مظانه، أو السائرون في الأرض للاعتبار الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ أي المحافظون على الصلوات الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي والآمرون بالإيمان والمعرفة والطاعة والعمل الصالح وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك والمعاصي وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ أي أوامره ونواهيه أو معالم الشرع وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي المتصفين بهذه الصفات، فهذه صفات عشر: الإيمان، وحفظ حدود الله، والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف، والسجود، والركوع، والسياحة، والحمد، والعبادة، والتوبة، من تحقق بها فهو المرشح للبيع، وعلى هذا فإن على المربين في هذه الأمة أن يربوا على هذه الخصال إذا ما أرادوا جيلا يستسهل البيع والجهاد والقتال، وإذا وزنا الناس بهذه الصفات العشر، وفتبين لنا نقصانها في المسلمين عرفنا لم لا نرى جهادا أو قتالا وبيعا للأنفس في سبيل الله ولم لا نرى مسارعة لذلك.

وبهذا تنتهي المجموعة الرابعة من هذا المقطع وقد فصلت أحوال أصناف من الناس.

‌الفوائد:

1 -

بمناسبة قوله تعالى وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ نذكر هذه الروايات:

أ- روى الإمام أحمد عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة، فقال «لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب»

ص: 2350

وأصغى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فقال: «وإن في أصحابي منافقين» ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم.

ب- روى الحافظ ابن عساكر عن أبي الدرداء: أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «الإيمان هاهنا» وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق هاهنا وأشار بيده إلى قلبه «ولم يذكر الله إلا قليلا) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم اجعل له لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى

خير» فقال: يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم، أفلا آتيك بهم؟ قال:«من أتانا استغفرنا له، ومن أصر فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترا» قال: وكذا رواه أبو أحمد الحاكم.

ج- قال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال «اخرج يا فلان فإنك منافق، واخرج يا فلان فإنك منافق» فأخرج من المسجد ناسا منهم، فضحهم، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا واختبئوا هم من عمر ظنوا قد علم بأمرهم، فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد. والعذاب الثاني عذاب القبر.

وقال سعيد عن قتادة في قوله تعالى: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ عذاب الدنيا وعذاب القبر، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين فقال: ستة منهم تكفيهم الدبيلة- سراج من نار جهنم يأخذ كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره- وستة يموتون موتا. وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه، وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا ولا أؤمن منها أحدا بعدك.

د- وروى عبد الرزاق عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري، لعمري أنت بنصيبك أعلم منك بأحوال الناس، وقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء

ص: 2351

قبلك، قال نبي الله نوح عليه السلام وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقال نبي الله شعيب عليه السلام بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ.

2 -

في سبب نزول قوله تعالى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة إنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه، وقال ابن عباس وَآخَرُونَ نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه وقيل: وسبعة معه، وقيل: تسعة معه فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أنزل الله هذه الآية وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم.

وبمناسبة هذه الآية قال النسفي: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً خروجا إلى الجهاد وَآخَرَ سَيِّئاً تخلفا عنه، أو التوبة والإثم، وهو قولهم بعت الشاء شاة ودرهما أي شاة بدرهم قالوا وبمعنى الباء، لأن الواو للجمع، والباء للالتصاق، أو المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر: فكل واحد منهما مخلوط ومخلوط به كقولك: خلطت الماء واللبن، تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه بخلاف قولك: خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطا واللبن مخلوطا به. وإذا قلته بالواو فقد جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.

وبمناسبة هذه الآية نقل ابن كثير ما رواه البخاري مختصرا

عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا: أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقكم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك، قالا وأما القوم الذين كان شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم.

3 -

اعتقد بعض ما نعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة لا يكون إلى الإمام وإنما كان هذا خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم محتجين بقول تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً

ص: 2352

تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها

وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقا- وفي رواية عقالا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه.

4 -

تنفيذا لقوله تعالى وَصَلِّ عَلَيْهِمْ بعد قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبي (أي والد الراوي وهو عبد الله بن أبي أوفى) بصدقة فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» رواه مسلم. وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت يا رسول الله صل علي وعلى زوجي فقال: «صلى الله عليك وعلى زوجك» ومعنى الصلاة هنا الدعاء والاستغفار.

وروى الإمام أحمد

عن ابن لحذيفة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده.

5 -

وبمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ننقل ما يلي:

روى الثوري ووكيع عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ. وقوله يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ. وروى الثوري والأعمش

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن الصدقة تقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ. وقد روى ابن عساكر في تاريخه قال: غزا الناس في زمن معاوية رضي الله عنه، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغل رجل من

المسلمين مائة دينار رومية، فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير، فأبى أن يقبلها منه فقال:

قد تفرق الناس ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل الرجل يستقري الصحابة فيقولون له مثل ذلك. فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبي عليه فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال أو مطيعي أنت؟ فقال: نعم: فقال: اذهب إلى معاوية

ص: 2353

فقل له: اقبل خمسك، فادفع إليه عشرين دينارا، وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل، فقال معاوية رضي الله عنه لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شئ أملكه، أحسن الرجل.

6 -

وبمناسبة قوله تعالى وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ننقل ما ذكره ابن كثير مع حذف الأسانيد:

(روى الإمام أحمد

عن أبي سعيد مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان» . وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما روى أبو داود الطيالسي

عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك» . وروى الإمام أحمد

عمن سمع أنسا يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا).

وروى البخاري أن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقل اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وقد ورد في الحديث شبيه بهذا فقد روى الإمام أحمد

عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنتظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زمانا من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملا سيئا وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته» قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه» ).

7 -

أفهم من ذكر المؤمنين في قوله تعالى وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ أن المؤمنين إذا لم يروا عملا صالحا ممن عمل سوءا فإن الأصل ألا يغيروا رأيهم فيه، وأنهم معذورون إذا عاملوه بما ظهر لهم منه

8 -

وتفسيرا لقوله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ

ص: 2354

عَلَيْهِمْ قال ابن كثير: (قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا- أي عن التوبة- .. وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد، كسلا وميلا إلى الدعة، والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء وأرجئ هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية وهي قوله تعالى لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الآية وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ

الآية كما سيأتي في حديث كعب بن مالك.

9 -

وفي سبب نزول آيات مسجد الضرار في قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً

قال ابن كثير: سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة، وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله عز وجل. وكانت العاقبة للمتقين، وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب ذلك اليوم فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه، فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا، فنالته هذه الدعوة.

وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم، فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله

ص: 2355

صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا لهم معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك.

فشرعوا في بناء مسجد في قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك. وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال:«إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله» فلما قفل عليه الصلاة والسلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: هم أناس من الأنصار بنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر الراهب: ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجنود من الروم، وأخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله عز وجل لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً إلى قوله الظَّالِمِينَ وكذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وقتادة، وغير واحد من العلماء، وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن قتادة، وغيرهم قالوا: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني من تبوك- حتى نزل بذي أوان- بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار- وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة، والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال:«إني على جناح سفر وحال شغل» أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ولو قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه» فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أحابني سالم بن عوف، ومعن بن عدي- أو أخاه عامر بن عدي- أخا بلعجلان فقال:«انطلقا إلى هذا المسجد الظالم، فاهدماه وحرقاه» فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف- وهم رهط مالك بن الدخشم- فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله،

ص: 2356

فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد، من بني عبيد بن زيد، أحد بني عوف،- ومن داره أخرج مسجد الشقاق- وثعلبة ابن حاطب من بني عبيد موالي بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير، من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، من بني عوف، وحارثة بن عامر وابناه، مجمع بن حارثة، وزيد بن حارثة، ونبتل الحارث، وهو من بني ضبيعة، ومخرج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عمران وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت، موالي بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر.

ومن هذه القصة نفهم أنه لا ينبغي أن نتردد في استئصال كل ما يعكر أمن المسلمين ووحدتهم، وأن علينا أن نسارع إلى تحطيم مخططات أهل الكفر والنفاق.

10 -

وأما المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فالسياق يدل على أنه مسجد قباء، وعلى ذلك كثير من الآثار والأحاديث، وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى قال ابن كثير: وهذا صحيح ولا منافاة بين القول الأول وبين هذا لأنه إن كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى، ولمسجد قباء فضله، ولمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة فضل. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«صلاة في مسجد قباء كعمرة» . وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء راكبا وماشيا. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة، فالله أعلم.

11 -

ومما أثنى الله عز وجل على أهل قباء في هذه الآيات: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ وقد روى البراز

عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء.

وفي الآية دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة، المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له. وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء والتنزه عن ملامسة القاذورات. ذكره ابن كثير،

ص: 2357

وقد ورد ما يدل على أن كمال الطهارة يسهل القيام بالعبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها. وروى الإمام أحمد عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح فقرأ الروم فيها. فأوهم، فلما انصرف قال:«يلبس علينا القرآن، إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء» .

12 -

وفي سبب نزول قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ

ذكر ابن كثير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال «الجنة» قالوا:

ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ

الآية.

وتعليقا على الآية قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم الله فأغلى ثمنهم، وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة، وفى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية ولهذا يقال: من حمل في سبيل الله بايع الله- أي قبل هذا العقد ووفى به-

وسواء قتلوا، أو قتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة. ولهذا جاء في الصحيحين: «وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيلي، وتصديق برسلي بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة.

13 -

وفي تفسير السياحة في قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ

قال ابن كثير ما يأتي نذكره مع حذف الأسانيد: (بيان أن المراد بالسياحة الصيام). قال سفيان الثوري .... عن عبد الله بن مسعود قال:

السَّائِحُونَ. الصائمون. وكذا روي عن سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس:

وقال علي بن طلحة عن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون، وكذا قال الضحاك رحمه الله وروى ابن جرير

عن عائشة رضي الله عنها قالت:

سياحة هذه الأمة الصيام. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن السلمي والضحاك بن مزاحم وسفيان بن عيينة وغيرهم أن المراد بالسائحين الصائمون.

ص: 2358

قال الحسن البصري: السَّائِحُونَ. الصائمون شهر رمضان. وقال أبو عمرو العبدي: السَّائِحُونَ الذين يديمون الصيام من المؤمنين. وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا وروى ابن جرير

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

السَّائِحُونَ هم الصائمون، وهذا مرسل جيد، وهذا أصح الأقوال وأشهرها.

وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد. وهو ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» . وروى ابن المبارك

عن عمارة بن غزية أن السياحة ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله والتكبير على كل شرف» . وعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم. قال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم: هم المهاجرون. رواهما ابن أبي حاتم. وليس المراد السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» اه.

كلام ابن كثير

أقول: من أهم ما يلزم لإحكام أمر القتال معرفة الأرض، ولذلك فإن كثيرا من كتب فن الحرب تذكر موضوع التعرف على الأرض التي سيجري عليها القتال، على أنه ركن من أركان اتخاذ قرار القتال، وممن ذكر ذلك (صن تزو) أحد حكماء الصين الأقدمين في كتابه (فن الحرب) وهو كتاب لا زال يحتفظ بالكثير من الأهمية، لقد ذكر في هذا الكتاب: أن قرار الحرب يقتضي مجموعة أمور: ثقة بين الحكومة والشعب، وقيادة قادرة على إدارة المعركة المطلوبة، وروحا معنوية عالية عند الجند، وتعرفا على الأرض التي ستدور عليها المعارك، ومعرفة الطقس الذي ستكون فيه المعارك.

ولأهمية معرفة الأرض في القتال، ولأن الأصل في السياحة أن تكون سفرا وتعرفا على الأرض، فإنني لا أستبعد أن يكون المراد بالسياحة في الآية معناها الأصلي، وهو التعرف على الأرض لصالح المعركة، خاصة وأن النص قد جاء في سياق الأمر بالنفير والجهاد. وعندئذ يكون ما فسرت به السياحة فيما سوى ذلك إنما هو من باب المجاز، فالصائم مسافر نوع سفر إذ تجوب روحه في ملكوت الله، وطالب العلم سائح إن في رحلته الحسية أو المعنوية في سفره للتعرف على الحقيقة.

ص: 2359

ولننتقل إلى عرض المجموعة الخامسة من المقطع الثاني، وهي المجموعة الأخيرة فيه:

ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى أي ما صح لهم الاستغفار للمشركين في حكم الله وحكمته ولو كانوا أقرباء لهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك: لقد فصلت العقيدة بين أهل الإيمان والشرك في الدنيا والآخرة،

ثم ذكر عذر إبراهيم إذ استغفر لأبيه وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ أي هو وعد أباه أن يستغفر له فاستغفر، تنفيذا لذلك الوعد ومعنى استغفاره: سؤاله المغفرة له ليسلم، أو سؤاله أن يعطيه الله الإسلام الذي به يغفر له فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ أي فلما تبين من جهة الوحي لإبراهيم أن أباه يموت كافرا، وانقطع رجاؤه عنه، تبرأ منه، وقطع استغفاره إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ أي كثير التأوه شفقا وفرقا لفرط ترحمه ورقته حَلِيمٌ أي: صبور على البلاء، صفوح عن الأذى، ومن حلمه أنه كان يدعو لأبيه وأبوه يتهدده ويتوعده بالرجم.

وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ أي وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان بعد بيان المأمور والمنهي، أما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعا أو عاصيا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه.

وعلى هذا فالقاعدة أن الله لا يؤاخذ عباده على شئ إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره، وعلمهم بأنه واجب الاجتناب، أما قبل العلم والبيان فلا، فالآية إذن فيها تطمين

لمن خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل نزول النهي.

إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ هذا تذكير من الله لعباده بصفاته، وهو في هذا السياق يفيد الحض على التقوى، والتحريض على الجهاد. قال ابن جرير:(هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين، وملوك الكفر، وأن يثقوا بنصر الله مالك السموات والأرض، ولا يرهبوا من أعدائه، فإنه لا ولي لهم من دون الله ولا نصير لهم سواه) ثم ختم الله هذا المقطع وهذه المجموعة بتبيان ما كافأ به من خرج للنفير يوم تبوك وتبيان قبوله توبة من أرجأ الله قبول توبته ليمحصهم فقال:

لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ

ص: 2360