الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعنى العام:
بعد أن استقر معنا في السورة ضرورة الجهاد والقتال ووصف المتخلفين، تبدأ هذه الآيات بأمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين، والصادقون هم المؤمنون المجاهدون، والعلماء العاملون وبعد الأمر بالكون مع الصادقين، تذكر الآيات أنه ما كان لأحد من أهل المدينة ومن حولها- أي ممن يشملهم الأمر بالنفير- أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ راغبين بأنفسهم عن نفسه، ثم بين لهم: أن ما يصيبهم من ظمأ أو تعب أو جوع، أو ما يفعلونه من إغاظة لكافر، كل ذلك سيكافئهم الله عليه، وأنه ما من نفقة قليلة أو كثيرة، ولا حركة أو سير، إلا وسيكافئهم الله عليه، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون تخلفا؟!
ثم بين الله عز وجل أن هناك نفيرا آخر، يجب أن يعطى أهمية، وأن يتفرغ له ناس، وهو النفير لطلب العلم.
المعنى الحرفي
.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ بإقامة شرعه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ في إيمانهم دون المنافقين، أي كونوا مع الذين صدقوا في دين الله قولا ونية وعملا، وقد عرف الله هؤلاء الصادقين في أكثر من مكان في كتابه، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الحجرات إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ فمن اجتمع له الإيمان والجهاد بأنواعه كما ذكرناها في كتاب «جند الله ثقافة وأخلاقا» فهو الصادق وهو الذي أمرنا الله أن نكون معه، وما أكثر ما غفل المؤمنون عن هذا المعنى، وما أكثر ما ادعى الصدق غير أهله.
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ هذا نفي يراد به النهي، وخص هؤلاء بالذكر- وإن استوى كل الناس في ذلك- لقربهم، ولكونهم لا يخفى عليهم أمر النفير وَلا يَرْغَبُوا أي ولا أن يضنوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ أي عما يصيب نفسه، أي لا يختاروا إبقاء أنفسهم في الشدائد، بل أمروا بأن يصحبوه في البأساء والضراء، ويلقوا أنفسهم بين يديه في كل شدة، وهكذا أدب المسلم مع قيادته الراشدة، وشأن القيادة كذلك الإمامة في الجهاد وغيره، والقدوة في الجهاد وغيره.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ أي النهي عن التخلف بسبب أنهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ أي عطش
وَلا نَصَبٌ أي تعب وَلا مَخْمَصَةٌ أي مجاعة فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في الجهاد وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ أي ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم، وأخفاف رواحلهم وأرجلهم، يغيظ الكفار وطئوه، ويغضبهم، ويضيق صدورهم، لا يتحركون حركة تغيظ الكفار وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أي ولا يصيبون منهم إصابة بقتل أو أسر أو جرح أو كسر أو هزيمة، أو غير ذلك مما يسوؤهم إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ أي بهذه الأعمال عَمَلٌ صالِحٌ أي عمل لهم ثوابه إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي إنهم محسنون، والله لا يبطل ثوابهم، وفيه دليل على أن من قصد خيرا كان سعيه فيه مشكورا، من قيام وقعود، ومشي وكلام وغير ذلك.
وَلا يُنْفِقُونَ أي هؤلاء المجاهدون في سبيل الله نَفَقَةً صَغِيرَةً أي قليلة وَلا كَبِيرَةً أي ولا كثيرة وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً أي أرضا في ذهابهم ومجيئهم وحركتهم للجهاد، والوادي في الأصل: هو كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أي ذلك الإنفاق والحركة، أي أثبت في صحائفهم. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ليجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم، فيلحق به ما دونه توفيرا لأجرهم.
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً إلى الجهاد إذا كان الجهاد فرض كفاية، لما يترتب على ذلك من تعطيل مصالح، وخاصة مصلحة طلب العلم الشرعي. فَلَوْلا أي فهلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ أي من كل جماعة كثيرة، جماعة قليلة منهم لطلب العلم الشرعي لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ أي ليتكلفوا الفقاهة في الدين، ويتجشموا المشاق في تحصيلها وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أي ليجعلوا مرمى همتهم في الفقه إنذار قومهم، وإرشادهم إذا رجعوا إليهم، دون الأغراض الخسيسة من التصدر والترؤس والتشبه بالظلمة في المراكب والملابس. لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أي ما يجب اجتنابه، ويمكن أن تفهم الآية فهوما أخرى، قال به مفسرون، وأيا كان فهم الآية فإن مجيئها في هذا السياق يدل على أن الفقه فى دين الله والجهاد متلازمان؛ إذ لا يمكن أن يقوم جهاد حقيقي بلا فقه، ومن ثم فإننا نرى جيشا كالجيش الانكشاري بدأ متدينا وكيف آل أمره عند ما انفصل فيه الجهاد عن الفقه.