الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحالة يجوز للجيش المسلم أن ينسحب؛ لأن عاصمة المسلمين تعتبر في حقه فئة، يجوز له أن يتحيز إليها، أما إذا أصبحت العاصمة نفسها مستهدفة، ولم يعد وراءها معقل يتحيز إليه الإمام، أو أصبح المسلمون في المعقل الأخير، فعليهم أن يقاتلوا حتى الشهادة، ولا يصح لأحد منهم أن يفر، لأنه يفر إلى غير فئة، وهناك اتجاه يقول: إذا بلغ الجيش المسلم اثني عشر ألفا فلا يجوز له الفرار مهما كثر عدد المقاتلين. وفيما يلي كلام للجصاص نقله صاحب الظلال نرى من خلاله بعض فهوم الفقهاء لآية: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ
…
قال الجصاص عند قوله تعالى:
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ (روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر. قال أبو نضرة: لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم .. وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد، لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار، ولم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه. فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم، وإنهم لو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، غلط لما وصفنا .. وقد قيل: إنه لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الانحياز جائزا لهم عنه، قال الله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ: فلم يكن يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وينصرفوا عنه ويسلموه، وإن كان الله قد تكفل بنصره وعصمه من الناس، كما قال تعالى:
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وكان ذلك فرضا عليهم، قلت أعداؤهم أو كثروا، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان فئة المسلمين يومئذ، ومن كان ينحاز عن القتال فإنما كان يجوز له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم فئتهم يومئذ، ولم تكن فئة غيره، قال ابن عمر: كنت في جيش فحاص الناس حيصة واحدة ورجعنا إلى المدينة، فقلنا: نحن الفرارون. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا فئتكم» . فمن كان بالبعد من النبي صلى الله عليه وسلم إذا انحاز عن الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه، فلم يكن يجوز لهم الفرار. وقال
الحسن في قوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ. قال: شددت على أهل بدر وقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ
الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وذلك لأنهم فروا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يوم حنين فروا عن النبي صلى الله عليه وسلم فعاتبهم الله على ذلك في قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. فهذا كان حكمهم إذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قل العدو أو كثر، وقال الله تعالى في آية أخرى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهذا- والله أعلم- في الحال التي لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا معهم، فكان على العشرين أن يقاتلوا المائتين لا يهربوا عنهم، فإذا كان عدد العدو أكثر من ذلك أباح لهم التحيز إلى فئة من المسلمين فيهم نصرة لمعاودة القتال، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ فروي عن ابن عباس أنه قال:
كتب عليكم ألا يفر واحد من عشرة: ثم قلت: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً .. الآية. فكتب عليكم ألا يفر مائة من مائتين. وقال ابن عباس: إن فر رجل من رجلين فقد فر، وإن فر من ثلاثة فلم يفر- قال الشيخ يعني بقوله: فقد فر.
الفرار من الزحف المراد بالآية، والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار، فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة، فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:«أنا فئة كل مسلم» . وقال عمر بن الخطاب لما بلغه أن أبا عبيد بن مسعود استقتل يوم الحشر حتى قتل ولم ينهزم: «رحم الله أبا عبيد! لو انحاز إلي لكنت له فئة» . فلما رجع إليه أصحاب أبي عبيدة قال: «أنا فئة لكم» . ولم يعنفهم
…
وهذا الحكم عندنا (يعني عند الحنفية) ثابت، ما لم يبلغ عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفا، لا يجوز لهم أن ينهزموا عن مثليهم إلا متحرفين لقتال: وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم، ونحو ذلك، مما لا يكون فيه انصراف عن الحرب، أو متحيزين إلى فئة من المسلمين يقاتلونهم معهم. فإذا بلغوا اثني عشر ألفا فإن محمدا بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم، وإن كثر عددهم، ولم يذكر خلافا بين أصحابنا فيه (يعني الحنفية) واحتج بحديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن ابن