الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنة لها، وتكرير (في) يفيد فضل ترجيح صنفي: في سبيل الله، وابن السبيل، على الرقاب، والغارمين، وعلى هذا فأفضل ما تنفق فيه الزكاة: الإنفاق على الغزاة، وابن السبيل، هذا ما أفاده النسفي. وهل لا بد من صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية، أو أنه يكفي أن تصرف إلى بعضها؟ قولان.
الحنفية والمالكية على الثاني، والشافعية على الأول. وقد أسقط الصحابة سهم المؤلفة قلوبهم في صدر خلافة أبي بكر رضي الله عنه لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم، فإذا عاد الإسلام إلى غربته ثم عادله سلطانه على ضعف فلا شك في جواز إعادة سهم المؤلفة قلوبهم، وبهذا ينتهي المعنى الحرفي لهذه المجموعة التي حددت مواصفات صنف من المنافقين، وجاءت آية الزكاة في سياق تحديد مواصفات هذا الصنف للحكمة التي رأيناها وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الرابعة التي تحدد مواصفات صنف آخر من أصناف المنافقين نذكر ال
فوائد
التي لها علاقة بهذه المجموعة.
فوائد:
1 -
في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ قال ابن كثير:
(قال ابن جريج: أخبرني داود بن عاصم قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت، قال: ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية، وقال قتادة في هذه الآية: وذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ذهبا وفضة، فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟» ثم قال نبي الله: «احذروا هذا وأشباهه فإن في أمتي أشباه هذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم» .
وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه إنما أنا خازن» . وهذا الذي ذكره قتادة يشبه ما رواه الشيخان
…
عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة واسمه حرقوص لما اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم حنين فقال له: اعدل فإنك لم تعدل. فقال: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رآه مقفيا «إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء).
2 -
ومما يساعد على فهم آية الزكاة هذه النقول:
أ- روى الإمام أبو داود .. عن زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتي رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» .
ب- روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود .. عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» .
ج- روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد جيد قوي .. عن عبيد الله بن عدي ابن الخيار: أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر فرآهما جلدين فقال:«إن شئتما أعطيتكم ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» .
د- قال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: قرأ عمر رضي الله عنه إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ قال: هم أهل الكتاب. أقول: هذا اتجاه لا يوافق عليه جماهير العلماء فالزكوات في المسلمين، وأما فقراء أهل الكتاب فيعطون من بيت مال المسلمين.
هـ- روى الشيخان .. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان» . قالوا: فما المسكين يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا» .
و- ثبت في صحيح مسلم
…
عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملهما على الصدقة فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» .
ز- روى الإمام أحمد
…
عن صفوان بن أمية قال: «أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» .
ح- ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم» .
ط- ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد: أن عليا بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة في تربتها من اليمن فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير وقال:«أتألفهم» .
ي- روى مسلم
…
عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» . قال ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال سدادا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قرابة قومه فيقولون: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش- أو قال سدادا من عيش- فما سواهن من المسألة سحت يأكلها صاحبها سحتا» .
ك- روى مسلم
…
عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«تصدقوا عليه» فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه:«خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» .
ل- روى الإمام أحمد
…
عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
م- روى الإمام أبو داود وابن ماجه
…
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى لغني» .
س- روى أبو داود .. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، وابن السبيل، أو جار فقير فيهدي لك، أو يدعوك» .
ومما قاله الألوسي في آية الزكاة:
«والمشهور أن اللام- أي في قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ- للملك عند الشافعية، وهو الذي يقتضيه مذهبهم حيث قالوا: لا بد من صرف الزكاة إلى جميع الأصناف إذا وجدت، ولا تصرف إلى صنف مثلا، ولا إلى أقل من ثلاثة من كل صنف، بل إلى ثلاثة أو أكثر إذا وجد ذلك، وعندنا يجوز للمالك أن يدفع الزكاة إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على صنف واحد لأن المراد بالآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم، ويدل له قوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وإنه صلى الله عليه وسلم أتاه مال من الصدقة فجعله في صنف واحد وهو المؤلفة قلوبهم، ثم أتاه مال آخر فجعله في الغارمين، فدل ذلك على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، ودليل جواز الاقتصار على شخص واحد منه أن الجمع المعرف بال مجاز عن الجنس، فلو حلف لا يتزوج النساء، ولا يشتري العبيد يحنث بالواحد، فالمعنى في الآية: أن جنس الصدقة لجنس الفقير، فيجوز الصرف إلى واحد لأن الاستغراق ليس بمستقيم إذ يصير المعنى: إن كل صدقة لكل فقير وهو ظاهر الفساد، وليس هناك معهود ليرتكب العهد، ولا يرد- خالعني على ما في يدي من الدراهم، ولا شئ في يدها- فإنه يلزمها ثلاثة، ولو حلف لا يكلمه الأيام أو الشهور فإنه يقع على العشرة عند الإمام، وعلى الأسبوع والسنة عند الإمامين، لأنه أمكن العهد فلا يحمل على الجنس. فالحاصل أن حمل الجمع على الجنس مجاز، وعلى العهد أو الاستغراق حقيقة، ولا مساغ للخلف إلا عند تعذر الأصل، وعلى هذا ينصف الموصى به لزيد والفقراء كالوصية لزيد وفقير.
وما ذهبنا إليه هو المروي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال سعيد بن جبير. وعطاء. وسفيان الثوري. وأحمد بن حنبل. ومالك عليهم الرحمة وذكر ابن المنير أن جده أبا العباس أحمد بن فارس كان يستنبط من تغاير الحرفين المذكورين دليلا على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك فيقول: متعلق الجار الواقع خبرا عن الصدقات محذوف فإما أن يكون التقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء كما يقول مالك ومن معه، أو مملوكة للفقراء كما يقول الشافعي، لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفى به في الحرفين جميعا ويصح تعلق اللام (وفي) معا فيصح أن يقال: هذا الشئ مصروف في كذا ولكذا، بخلاف تقدير مملوكة، فإنه إنما يلتئم مع اللام عند الانتهاء إلى (في) يحتاج إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها، فتقديره من الأول عام التعلق شامل الصحة متعين أ. هـ. وبالجملة لا يخفى قوة منزع الأئمة الثلاثة في الأخذ.
ولذا اختار بعض الشافعية ما ذهبوا إليه، وكان والد العلامة البيضاوي عمر بن محمد- وهو مفتي الشافعية في عصره- يفتي به».
وَابْنِ السَّبِيلِ وهو المسافر المنقطع عن ماله. والاستقراض له خير من قبول الصدقة على ما في الظهيرية. وفي فتح القدير أنه لا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته، وألحق به كل من هو غائب عن ماله وإن كان في بلده. وفي المحيط وإن كان تاجرا له دين على الناس لا يقدر على أخذه ولا يجد شيئا يحل له أخذ الزكاة، لأنه فقير يدا كابن السبيل. وفي الخانية تفصيل في هذا المقام قال: والذي له دين مؤجل على إنسان إذا احتاج إلى النفقة يجوز له أن يأخذ من الزكاة قدر كفايته إلى حلول الأجل، وإن كان الدين غير مؤجل فإن كان من عليه الدين معسرا يجوز له أن يأخذ الزكاة في أصح الأقاويل لأنه بمنزلة ابن السبيل، وإن كان المديون موسرا معترفا لا يحل أخذ الزكاة، وكذا إذا كان جاحدا وله عليه بينة عادلة، وإن لم تكن عادلة لا يحل له الأخذ أيضا ما لم يرفع الأمر إلى القاضي فيحلفه، فإذا حلفه يحل له الأخذ بعد ذلك أ. هـ. والمراد من الدين ما يبلغ نصابا كما لا يخفى. وفي فتح القدير ولو دفع إلى فقيرة لها مهر دين على زوجها يبلغ نصابا وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها لا يجوز، وإن كان بحيث لا يعطى لو طلبت جاز اه. وهو مقيد لعموم ما في الخانية، والمراد من المهر ما تعورف تأجيله فهو دين مؤجل لا يمنع أخذ الزكاة، ويكون في الأول عدم إعطائه بمنزلة إعساره، ويفرق بينه وبين سائر الديون بأن رفع الزوج للقاضي مما لا ينبغي للمرأة بخلاف غيره، ولكن في البزازية دفع الزكاة إلى أخته وهي تحت زوج إن كان مهرها المعجل أقل من النصاب، أو أكثر لكن الزوج معسر له أن يدفع إليها الزكاة، وإن كان موسرا والمعجل قدر النصاب لا يجوز عندهما، وبه يفتى للاحتياط، وعند الإمام يجوز مطلقا».
وقال الألوسي:
(وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وهم كانوا ثلاثة أصناف. صنف كان يؤلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا. وصنف أسلموا لكن على ضعف كعيينة بن حصن. والأقرع بن حابس. والعباس بن مرداس السلمي فكان عليه الصلاة والسلام يعطيهم لتقوى نيتهم في الإسلام، وصنف كانوا يعطون لدفع شرهم عن المؤمنين، وعد منهم من يؤلف قلبه بإعطاء شئ من الصدقات على قتال الكفار ومانعي الزكاة).
(وقال قوم: لم يسقط سهم هذا الصنف، وهو قول الزهري وأبي جعفر محمد بن علي. وأبي ثور، وروي ذلك عن الحسن، وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك).
وقال الألوسي في كلامه عن سهم وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ (وذكر بعضهم أن التحقيق ما ذكره الجصاص في الأحكام، أن من كان غنيا في بلده بداره وخدمه وفرسه وله فضل دراهم حتى لا تحل له الصدقة فإذا عزم على سفر جهاد احتاج لعدة وسلاح لم يكن محتاجا له في إقامته فيجوز أن يعطى من الصدقة، وإن كان غنيا في مصره وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تحل للغازي الغني).
3 -
في كتابنا (الإسلام) في الفصل الأول منه، وفي الفصل الثالث منه بيان لكيفية الزكاة هي العمود الفقري في نظام الاقتصاد في الإسلام، وهي التي تبين بدقة الفوارق بين النظام الإسلامي وغيره من الأنظمة، كما أنها لو أحسن تطبيقها تحل المشاكل كلها، من مشكلة الفقر، إلى مشكلة الدراسة والعلم، إلى مشكلة السكن والبطالة، إلى
مشكلة العزوبة، إلى مشكلة الجهاد، وإن أهم ما يجب أن يصرف فيه المسلمون زكاتهم ما يؤدي إلى إقامة الدعوة إلى الله، وإقامة الجهاد، ولعله من أجل هذا المعنى جاءت آية الزكاة في معرض سياق الأمر بالنفير، لأن كثيرا من احتياجات الجهاد تغطيها الزكاة، فلو أننا اشترينا لكل طالب بالغ غير غني- ولو كان أبوه غنيا- سلاحا، ولو أننا اشترينا لكل فقير سلاحا وملكناهم إياه من مال الزكاة جاز، ولو أننا اشترينا ذخيرة وملكناها للمجاهدين الذي لا يستطيعون شراء ذخيرة جاز، ولو أننا فرغنا ناسا وأعطيناهم رواتب من أجل الدعوة والجهاد من مال الزكاة جاز، ولو كانوا يملكون في الأصل نصابا، وقد أفتى الكثيرون بجواز إعطاء الزكاة للحركات الجهادية، لكني أقول: إن على هذه الحركات إذا عرفت أن شيئا من مال الزكاة أصبح في يدها أن تراعى الدفة الفقهية في الإنفاق.
ولننتقل الآن إلى المجموعة الخامسة في هذا المقطع وهي تحدد مواصفات صنف ثالث من المنافقين وهذه هي:
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ أي ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله بالكلام فيه وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قولهم هذا هو إيذاؤهم له، والأذن: هو الرجل يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة التي هي آلة السماع، كأن جملته أذن سامعة