الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة في هذا المقطع
كما سبق المقطع الثاني من القسم الأول بمقطع تحدث عن غزوة بدر فكان بمثابة متكأ للمقطع الثاني وكما أن المقطع الثاني من القسم الأول كان فيه مجموعة نداءات لأهل الإيمان بصيغة «يا أيها» فإن هذا المقطع من القسم الثاني سبق بمقطع فيه حديث عن غزوة بدر ومقدمات أخرى سبقتها، وهو يتألف كذلك من مجموعة نداءات بصيغة «يا أيها» بنيت على المعاني التي تقدمتها في المقطع الأول وإذن فهناك تشابه من هذه الحيثية بين القسم الأول والقسم الثاني من السورة، كما أن هناك صلات بين مقدمة السورة وخاتمتها كما سنرى.
والمقطع كله في موضوع القتال، وآثاره ومستلزماته، والأحوال التي يمكن أن تمر على الأمة المسلمة فصلته بمحور السورة واضحة.
وفي المقطع أربعة نداءات نداء بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وثلاثة نداءات بصيغة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* إنه مقطع يتوجه بالنداء إلى القيادة، وإلى الجند؛ ليعرف كل منهما واجبه في تحقيق فريضة القتال، فلنبدأ بعرض المعاني العامة للمقطع:
المعنى العام:
يبدأ المقطع بتعليم الله تعالى عباده المؤمنين آداب اللقاء عند مواجهة الأعداء، فيأمرهم بالثبات، ويأمرهم بذكر الله عند اللقاء، ويأمرهم بالطاعة، ويأمرهم بترك التنازع والاختلاف، ويحذرهم إن اختلفوا الفناء، ثم يأمرهم بالصبر والإخلاص، وأن يتحرروا من أن يكونوا كالكافرين في حربهم، إن في تصرفاتهم البطرة، أو في غاياتهم الخسيسة. إذ يقاتلون للصد عن سبيل الله، وبعد أن يأمر الله المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهيا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم بطرا دفعا للحق ورئاء الناس، أي للمفاخرة والتكبر عليهم. يأمرنا الله أن نتذكر ما حدث للكافرين يوم بدر، بعد أن زين لهم الشيطان ما هم فيه. ونفخ في مناخرهم الغرور، موهما إياهم أنه معهم، ثم تخلى عنهم إذ قام سوق القتال في معركة ظن غير أهل الإيمان أن قتال المؤمنين فيها نوع من أنواع الغرور؛ إذ كيف يقاتل القليل
الكثير، ناسين أن من توكل على الله كفاه. فكانت عاقبة الأمر أن الله عز وجل أعان المؤمنين بملائكته، يعذبون الكافرين ويستلون أرواحهم ليعجلوا بهم إلى النار؛ بسبب كفرهم وظلمهم، وصدهم عن سبيل الله.
وفي التذكير بهذا الجانب من غزوة بدر، بعد الأمر بالثبات وغيره من أجل أن يبين الله للمؤمنين أنهم ما أقاموا أمر الله فإن سنته في الانتصار بهم من الكافرين قائمة، لأن سنته خذلان الكافرين وتعذيبهم، فإذا أقام المؤمنون أمر الله فإنهم أداة هذا العذاب.
وليؤكد الله عز وجل هذه السنة، وليبين أنها سنته في كل العصور، ذكر بعد ذلك أن ما فعله بهؤلاء المشركين إنما هو كفعله في الأمم المكذبة قبلهم، فتلك سنته في المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، الكافرين بآيات الله، أن يأخذهم الله بسبب ذنوبهم فيهلكهم، وهو الذي لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، ثم يذكر الله عز وجل بسنة أخرى من سننه، وهو أنه تعالى من تمام عدله وقسطه في حكمه إنه لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب. كصنعه بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم، من جنات، وعيون، وزروع، وكنوز، ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك بل كانوا هم الظالمين. وبهذا استقر أن الكافرين ستصيبهم سنة الله بهم وهي العذاب، إما العذاب المباشر المستأصل من الله، وإما العذاب بأيدي المؤمنين، كما استقر أن على المؤمنين أن ينفذوا أمر الله، فيكونوا أهلا لأن ينتقم الله بهم من الكافرين. ثم إن السياق يفيدنا أن علينا ألا نكون كالكافرين في شئ لنستحق نصر الله. فالسياق بقدر ما فيه من رفع لمعنويات المؤمنين، فيه كذلك تحذير للمؤمنين أن يداخلهم شئ يستحقون به عذاب الله وزوال نعمه. فإذا ما استقرت آداب القتال في الأنفس، وحدث اطمئنان لوعود الله في شأن الكافرين في جو التحذير من مسببات الفشل. تأتي الآن مجموعة توجيهات مهمة في قضايا القتال. التوجيه الأول فيه إخبار أن شر ما دب على وجه الأرض الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين من صفاتهم- والكافرون كلهم كذلك- أنهم كلما عاهدوا عهدا نقضوه، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، وهم لا يخافون الله في شئ ارتكبوه من الآثام، فهؤلاء اضربهم ضربة ساحقة، تكون عبرة لمن وراءهم، تلقي بها الرعب في قلب كل كافر، فيحذر أي واحد من الناس أن ينكث عهدك إن عاهد. نفهم من هذا التوجيه جواز عقد معاهدات تقتضيها مصلحة المسلمين مع
المشركين، ولكن ينبغي أن تكون الضربة ساحقة إن حدث غدر، وهذا يقتضي أن يكون المسلمون دائما على حذر، وعلى استعداد، وإذ تقرر جواز العهد، وتقررت العقوبة على الغدر، فإن مسألة تطرح نفسها وهي: أنه قد يدخل المسلمون في معاهدة، ويكون الطرف الآخر يبيت عملية غدر، فماذا يفعل المسلمون ليقابلوا هذه الحالة؟ الجواب أنه متى أحس المسلمون بروح الخيانة والغدر، والنقض للمواثيق والعهود، فإن عليهم أن يعلموا خصمهم أن العهد لاغ؛ والاتفاقية منقوضة، وأنه لا عهد بينهم وبين الآخرين، وذلك حتى لا يرتكب المسلمون خيانة، لأن الله لا يحب الخيانة وأهلها، ولو كانت الخيانة في حق كافر، وإذن إذا حدث الغدر بعد العهد فالضربة القاصمة، وإذا خيف الغدر قبل وقوعه فالإعلام أنه لا عهد ولا عقد. ومن ثم نلاحظ أنه بعد نزول هذه الآيات عند ما غدرت قريش ببني خزاعة، ناقضة عهد الحديبية، باغتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتح مكة، ولأن الضربة القاصمة تحتاج إلى جرأة، ولأن الإعلام بإلغاء المعاهدات قد يتسبب عنه ما يفوت على المسلمين فرصة المفاجأة. فقد أعلمنا الله عز وجل في هذا المقام أن الكافرين مهما بلغوا من القوة فإنهم في قدرته وقبضته فلا يعجزونه، فلا يبالي المسلمون إذن إلا بتطبيق أمر الله.
ثم يأتي التوجيه الثاني في هذا المقام، وهذا التوجيه فيه أمر ببذل منتهى الجهد للإعداد المادي للقتال، والمتمثل بكل أدوات الرمي، وبكل آليات المعركة، من أجل إرهاب كل عدو لله عرفه المسلمون أو لم يعرفوه، وحض في هذا المقام على الإنفاق؛ لأن الإعداد لا يكون بلا مال، ووعد عليه الأجر. ولنفرض أنه بعد القتال مال الكافرون إلى السلام أي إلى المسالمة والمصالحة والمهادنة فما العمل؟ للمسألة صور وحالات وفي إحدى حالاتها يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة بالميل إليها والقبول منهم ذلك، ولنفرض أنهم يريدون بالصلح الخديعة، ليتقووا ويستعدوا، فليكن ذلك: صالح وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك، وكيف لا، وهو الذي فعل لرسوله صلى الله عليه وسلم ببدر ما فعل، ونصره بالمؤمنين، وجمع بين قلوبهم على الإيمان وعلى الطاعة له ومناصرته ومؤازرته، بعد ما كان بينهم من العداوة والبغضاء، حتى لو أنفقت أموال الأرض كلها لإصلاح ذات بينهم لم تفد، ومع ذلك فإن الله جمع هذه القلوب، فهو العزيز الجناب الذي لا يخيب رجاء من توكل عليه، الحكيم في أفعاله وأحكامه، وباستكمال هذه المعاني تنتهي الفقرة الأولى في المقطع بعد أن أمر الله المؤمنين بها:
1 -
بالتخلق بمجموعة الأمور التي يستأهلون بها النصر في القتال.
2 -
ببذل منتهى الجهد للوصول لأقصى درجات الإعداد المادي.
3 -
بجواز المصالحة والمهادنة في بعض الحالات مع الضربة الساحقة إذا حدث غدر، وإلغاء المعاهدات إذا خيف الغدر.
وفي الفقرة تفصيلات كثيرة، ويحتاج فهمها إلى أشياء كثيرة، وتطبيقها على الواقع أمر مهم، ولعلنا نوفق إلى ذكر كل ما ينبغي في هذه الشئون، وبعد الفقرة التي بدأت بالنداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تأتي فقرة مبدوءة بصيغة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ وفيها ثلاث نداءات بهذه الصيغة، وكأنها تحدثنا عن أدب القيادة في إقامة فريضة القتال.
تبدأ الفقرة بإخبار الله نبيه والمؤمنين أنه حسبهم أي: كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. ثم يأمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحرض المؤمنين على القتال بأن يحثهم عليه، ويعدهم الله أن يغلب العشرة منهم على المائة، والمائة على الألف من الكافرين، إن صبروا؛ لأن الكافرين لا قلوب لهم، وإذ كان الوعد من الله فيه معنى التنجيز فقد فهم المسلمون من هذا الوعد الأمر بحرمة الفرار إذا كان الواحد يقابل عشرة، والعشرة تقابل مائة، ومن ثم فإن الله خفف الفرضية عنهم، فأجاز للواحد أن يفر من الثلاثة، وللعدد أن يفر إذا قابل أكثر من ضعفيه، وذكرهم بأن الله مع الصابرين.
فالبشارة والوعد بغلبة القليل للكثير قائمة، والفريضة على ما ذكرنا. ثم بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن سنته أن لا يكون أسر حتى يتم الإثخان لأنبيائه في الأرض. وقد عرض الله هذه السنة في معرض العتب على المؤمنين يوم بدر، إذ قبلوا فداء الأسرى مع إعلامه بعفوه عن فعلهم، وإباحته لهم ما أخذوه من الفداء. وإذ أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الفداء يوم بدر، فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للأسرى الذين دفعوا الفداء، بأن الله سيعوض عليهم- إن كان في قلوبهم خير- أكثر مما دفعوه فداء، ووعدهم كذلك بالمغفرة، ثم هددهم إن كان في قلوبهم نية سوء وإرادة خيانة بالتمكين منهم كما مكن من قبل. فالمقطع إذن فيه تهييج للمؤمنين على القتال في كل حال. وفيه مطالبة لهم بالتوكل، وبشارة لهم بالنصر، وإن قل العدد، وتحريض لهم على الإثخان في الأرض، دون النظر إلى المصالح المادية، وفي حالة الأسر وأخذ الفداء فقد علمنا الله ما نقوله للأسير في هذا المقام، وهذا يشعرنا أن علينا أن نبذل جهدا مع الأسرى لإدخالهم في الإسلام، أو لتخويفهم عن أن يقفوا موقفا ضدنا مرة