الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقوة السند فإن حديث المنع أصح فبطل رد المتعصبين، وتضعيف بعضهم لمثل الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مع تضييقه في الرواية إلى الغاية حتى أنه شرط التذكر لجوازها بعد علم الراوي أن ذلك المروي خطه، ولم يشترط الحفاظ هذا ولم يوافقه صاحباه، على أن الخبر قد عضد بروايات كثيرة عن جابر غير هذه وإن ضعفت وبمذاهب الصحابة أيضا كابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت وابن مسعود.
وأخرج محمد عن داود بن قيس بن عجلان أن عمر رضي الله عنه قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجرا، وروي مثل ذلك عن سعد بن أبي وقاص وروي عن علي
كرم الله وجهه إلا أن فيه مقالا أنه قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة، وقال الشعبي: أدركت سبعين بدريا كلهم يمنعون المقتدي عن القراءة خلف الإمام، وقد ادعى بعض أصحابنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، ولعل مراده بذلك إجماع كثير من كبارهم، وإلا ففيه نظر وكون مراده الإجماع السكوتي ليس بشيء أيضا.».
أقول: نقلت هذا النقل الطويل في مناقشة هذا الموضوع الفرعي من باب التعريف على مناقشات الفقهاء ومن باب التعويد على أسلوبهم.
فوائد:
1 -
بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قال النسفي: (ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ لأنه إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده، وأما من علم أنه يكفر به فإنما خلقه لما علم أنه يكون منه فالحاصل أن من علم منه في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة. ومن علم منه أنه يكون منه الكفر خلقه لذلك.
وبمناسبة هذه الآية يقول ابن كثير: فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق على ما هم عاملون قبل كونهم فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» . وفي صحيح مسلم أيضا .. عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله
طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أو غير ذلك يا عائشة. إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم» . وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود: «ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد» . وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: «هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي» . والأحاديث في هذا كثيرة ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها.
أقول: إن قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى الآية التي بعد الآية السابقة هي التي تبين الحكمة من الآية السابقة عليها وذلك أن مظاهر الكون بما فيه هي التي تدل على أسماء الله الحسنى، وأسماؤه تدل على صفاته ثم على ذاته، وكون الكون فيه ذنب وفيه خطيئة وفيه كفر وفيه وفيه. فإنه بذلك تعرف أسماء الله، ويعرف الله، فمن أين يعرف أن الله صبور لولا كفر الكافرين؟ ومن أين يعلم أنه غفور لولا توبة التائبين؟ وهكذا فخلق الخلق على ما هم عليه، به نتعرف على ذاته حق المعرفة ومن عرف الله حق المعرفة عبده حق العبادة على أن وجود الكفر والذنب من الخلق باختيارهم وكون الله أراده وأبرزه بقدرته، فليس ذلك ظلما لهم ينفي اختيارهم بل إنه علم ما هم فاعلون فأراده فأبرزه.
2 -
وبمناسبة قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ننقل ما يلي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما. مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر» أخرجاه في الصحيحين وأخرجه الترمذي في جامعه. وزاد بعد قوله: «يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، العليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق،
الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، الغفور، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور». ثم قال الترمذي هذا حديث غريب وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء. إلا في هذا الحديث. والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه. ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسع وتسعين، بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده .. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدل مكانه فرحا» فقيل يا رسول الله أفلا نتعلمها؟ فقال: «بل ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها» . وذكر الفقيه الإمام أبو بكر ابن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم فالله أعلم.
3 -
وبمناسبة قوله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ يقول ابن كثير: وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية، قال سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية: «هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها وَمِنْ قَوْمِ مُوسى
أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل» . وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» . وفي رواية «بالشام» .
وبهذه المناسبة أقول: إن من اجتمع له الدعوة إلى الله ودينه، وإذا حكم في أمر
صغيرا كان أو كبيرا في القضايا العادية وغير العادية في أهله وأولاده وجيرانه وأسرته حكم بالعدل الذي هو حكم الله دون تحيز فذلك من هذه الأمة فلنحرص على ذلك.
4 -
وفي سبب نزول قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يقول قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على الصفا فدعا قريشا فجعل يفخذهم فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان فحذرهم بأس الله ووقائع الله فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا المجنون بات يصوت إلى الصباح- أو حتى أصبح- فأنزل الله تعالى أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ.
5 -
وبمناسبة قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ نقول: إن رسولنا عليه الصلاة والسلام كان يسأل عن الساعة من كافر ومؤمن وكان إذا سأله المؤمنون عن ذلك ينفي علمه أو يلفت نظر السائل إلى ساعته أي موته، أو موت جيله. ويروي ابن كثير بمناسبة هذه الآية أحاديث كثيرة ويعلق على بعضها فلننقل من كلامه بما يتفق مع عادتنا فى التصرف ضمن ما لا يخل بالمعني:
روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون. فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» . ولما جاء جبريل عليه السلام في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم فجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس السائل المسترشد وسأله عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما المسئول عنها بأعلم من السائل». أي لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. الآية. وفي رواية: فسأله عن أشراط الساعة فبين له أشراط الساعة، ثم قال:«في خمسة لا يعلمهن إلا الله» وقرأ هذه الآية، وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب صدقت. ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» . وفى رواية قال: «وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا صورته هذه» . ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال يا محمد. قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم «هاؤم» على نحو من صوته قال: يا محمد متى الساعة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «المرء مع من أحب» فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث. ففي هذا الحديث أنه عليه الصلاة السلام كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك والتهيؤ له قبل نزوله، وإن لم يعرفوا تعيين وقته ولهذا قال مسلم في صحيحة وحدثنا .... عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة متى الساعة فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: «إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم ساعتكم» . يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة. وروى ابن جريج ما رواه مسلم .... أن جابر بن عبد الله سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر:
«تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة عام» . وفي الصحيحين عن ابن عمر مثله. قال ابن عمر: وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرام ذلك القرن. وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة» قال فردوا أمرهم إلى إبراهيم عليه السلام فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى. فقال عيسى: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله عز وجل، وفيما عهد إلي ربي عز وجل أن الدجال خارج. وقال. فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال فيهلكه الله عز وجل إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله. قال:
«فيهلكهم الله عز وجل ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم. قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. فيطئون بلادهم لا يأتون على شئ إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه. قال: ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله عز وجل فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم (أي تنتن) قال: فينزل الله عز وجل المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ثم قال: ففيما عهد إلي ربي عز وجل أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها ليلا أو نهارا، فهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين وإنما ردوا الأمر إلى عيسى عليه السلام فتكلم على أشراطها لأنه
ينزل في آخر هذه الأمة منفذا لأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتل المسيح الدجال ويجعل الله هلاك يأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به، وروى
الإمام أحمد
…
عن حذيفة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: «علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها: إن بين يديها فتنة وهرجا» قالوا يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج؟ قال: «بلسان الحبشة القتل» قال «ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدا» . وروى وكيع بإسناد جيد قوي .... عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكر «من شأن الساعة حتى نزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قال ابن كثير: فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه، نبي الرحمة، ونبي التوبة ونبي الملحمة، والعاقب والمقفي والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد رضي الله عنهما «بعثت أنا والساعة كهاتين» وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
6 -
وبمناسبة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ..... يرد ابن كثير كل اتجاه يزعم أن الشرك قد وقع من آدم عليه السلام وزوجه لأن ذلك يتنافى مع العصمة، ويعتبر أن كل ما ورد في ذلك- حتى مما ظنه الناس حديثا إنما هو مروي عن أهل الكتاب، ويطعن في صحة الحديث المروي في ذلك ثم يقول كلاما من أنفس الكلام ينتظم مجموعة موضوعات كلها نفيس منها الموقف من روايات أهل الكتاب وهذا هو كلامه. قال:
(وهذه الآثار يظهر عليها- والله أعلم- أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» ، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام: فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام:«حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» . وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» . وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر. فأما من حدث به
من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد في هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد في ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم قال: فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ الآية، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما استطرد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن. والله أعلم).
ونقول تعليقا على الجزء من كلام ابن كثير الذي له علاقة في الإسرائيليات: أن ما ذكره يدل على جواز دراسة كتبهم لنقدها، من قبل من عنده علم يميز بين ما هو حق وما هو باطل وما هو محتمل، كما جاز النقل عن كتبهم مع البيان وهذا الذي درجنا عليه في هذا الكتاب.
7 -
وبمناسبة قوله تعالى عن الأصنام وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يذكر ابن كثير هذه القصة (وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وكانا شابين، قد أسلما- لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك ويرتئوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح- وكان سيدا في قومه- صنم يعبده ويطيبه فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجئ عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له انتصر. ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضا حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك. فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل وقال:
تالله لو كنت إلها مستدن
…
لم تك والكلب جميعا في قرن
ثم أسلم فحسن إسلامه وقتل يوم أحد شهيدا رضى الله عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه.
8 -
وبمناسبة قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ نذكر هذه الروايات. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة عن أبي قال: لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا يا جبريل؟» قال: «إن الله أمرك أن تعفو عمن
ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» وقد رواه ابن أبي حاتم أيضا. كما روي له شواهد من وجوه أخر، وقد رواه ابن مردويه مرفوعا عن جابر وقيس بن سعد ابن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الإمام أحمد
…
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:
لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده. فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال. فقال: «يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك» وروى الترمذي نحوه وقال حسن صحيح. وروى البخاري
…
أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس- وكان من النفر الذين يدنيهم عمر- وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر. فلما دخل عليه، قال هي يا ابن الخطاب فو الله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل.
وقال بعض العلماء: الناس رجلان، فرجل محسن فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما سيئ فمره بالمعروف فإن تمادى على ضلاله
واستعصى عليك واستمر في جهله فأعرض عنه فلعل ذلك أن يرد كيده.
9 -
بمناسبة قوله تعالى وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
…
يلاحظ ابن كثير أنه ما من مرة ورد الأمر بالاستعاذة من شيطان الجن إلا وكان في سياقها الإرشاد، إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف أي بالتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى. ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجن فإنه لا يكفه عنك الإحسان وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية؛ فإنه عدو لك ولأبيك من قبلك. ويذكر ابن كثير بهذه المناسبة ما ذكره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: لما نزلت خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال يا رب كيف بالغضب فأنزل الله وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ثم ذكر حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمزع غضبا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فقيل له فقال: ما بي من جنون.
10 -
وبمناسبة قوله تعالي: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا .. أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها طيف، فقالت يا رسول ادع الله أن يشفيني فقال:«إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك» فقالت بل أصبر ولا حساب علي. ورواه غير واحد من أهل السنن.
وعندهم قالت: يا رسول الله إني أصرع وأتكشف فادع الله أن يشفيني فقال: «إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت صبرت ولك الجنة» فقالت: بل أصبر ولي الجنة. ولكن ادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها فكانت لا تتكشف. وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه أن شابا كان يتعبد في المسجد فهويته امرأة فدعته إلى نفسها فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل فذكر هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ فخر مغشيا عليه ثم أفاق فأعادها فمات، فجاء عمرو فعزى فيه أباه وكان قد دفن ليلا فذهب فصلى على قبره بمن معه ثم ناداه عمرو فقال يا فتى وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فأجابه الفتى من داخل القبر يا عمرو قد أعطانيهما ربي عز وجل في الجنة مرتين.» ذكر هذه القصة ابن كثير فإن صحت فهي كرامة لعمرو أن يسمع صوت ميت
11 -
وعند قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يدور نقاش كثير بين العلماء حول ما نصت عليه، إذ استدل بها الحنفية على ما ذهبوا إليه أنه يكره للمأموم أن يقرأ وراء الإمام مطلقا. واستدل من ذهب إلى أن المأموم لا يقرأ وراء الإمام في الجهرية ويقرأ في السرية. وقد عرض ابن كثير وهو شافعي المذهب هذه الاتجاهات وغيرها في فهم الآية وأشعر بما يفيد أنه يرجح مذهب الشافعية في هذا الموضوع ولكل من الأئمة وجهة نظره التي تقوم عليها الأدلة، والأمر فيه سعة، وهذا كلام ابن كثير وهو شافعي ننقله مع حذف الأسانيد وكنا من قبل نقلنا كلام الألوسي من الحنفية: (لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاما له واحتراما، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ الآية ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعرى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا اقرأ
فأنصتوا» وكذا رواه أهل السنن.
وروى إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة فلما نزلت هذه الآية وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا والآية الأخرى أمروا بالإنصات. وروى ابن جرير
…
أن ابن مسعود قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة فجاء القرآن وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وروى ابن جرير أيضا
…
عن بشير بن جابر قال: صلى ابن مسعود فسمع ناسا يقرءون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا، أما آن لكم أن تعقلوا وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا كما أمركم الله. وروى أيضا
…
عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئا قرأه فنزلت وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن
…
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من «صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفا؟» قال رجل نعم يا رسول الله. قال: «إني أقول ما لي أنازع القرآن» قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي هذا حديث حسن وصححه أبو حاتم الرازي وروى عبد الله بن المبارك .... عن الزهري قال:
لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام، وإن لم يسمعهم صوته ولكنهم يقرءون فيما لا يجهر به سرا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرا ولا علانية فإن الله تعالى قال وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قلت:- القائل ابن كثير- هذا مذهب طائفة من العلماء، أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر به الإمام الفاتحة ولا غيرها. وهو أحد قولي الشافعى، وهو القديم كمذهب مالك ورواية عن أحمد بن حنبل كما ذكرناه من الأدلة المتقدمة. وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل لا يجب على المأموم قراءة أصلا في السرية ولا الجهرية بما ورد في الحديث:«من كان له إمام فقراءته قراءة له» وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر
مرفوعا، وهو في موطأ مالك عن جابر موقوفا، وهذا أصح. وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري مصنفا على حدة واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضا والله أعلم. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قوله
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا يعني في الصلاة المفروضة. وكذا روي عن عبد الله بن المفضل. وروى ابن جرير .... عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال:
رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقص. فقلت ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال فنظرا إلي ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت فنظرا إلي وأقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة. قال: فنظرا إلي فقالا: إنما ذلك في الصلاة وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا. وكذا روى سفيان الثوري
…
عن مجاهد في قوله وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال: في الصلاة. وكذا رواه غير واحد عن مجاهد، وروى عبد الرزاق
…
عن مجاهد قال:
لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم. وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بذلك في الصلاة، وروى شعبة
…
أن مجاهدا كان يقول في هذه الآية وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة، وكذا روى ابن جرير عن عطاء مثله، وروى هشيم
…
عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر، وروى ابن المبارك
…
أن سعيد بن جبير كان يقول في قوله وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال: الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة. وهذا اختيار ابن جرير أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة كما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة. وروى عبد الرزاق
…
عن مجاهد أنه كره إذا مر الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئا. قال: السكوت. وروى مبارك بن فضالة عن الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له. وروى الإمام أحمد .... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة» .
12 -
ومن كلام ابن كثير عند الآية قبل الأخيرة في هذه السورة وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً .... وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء وجهرا بليغا، لهذا لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم