الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنوات قلائل في عهد الرومان. وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر وللنفوس في كل مكان- حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام- كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم، وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة- بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر- وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل، وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية، وتواجه موسى عليه السلام بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على مر الزمن الطويل.
وسنرى من خلال متاعب موسى عليه السلام متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوسا طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت وبخاصة إذا كانت
هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه.
إن جهد صاحب الدعوة- في مثل هذه الحال- لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفا كذلك .. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقل الطبائع وتفاهة الاهتمامات، ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة.
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة- لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل- وإن فيها زادا لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل».
المعنى العام:
يبدأ المقطع بالإخبار عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاوزوا البحر وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، عند ما مروا على عباد أصنام إذ طلبوا من موسى أن يجعل لهم أصناما يعبدونها كما يعبد هؤلاء أصنامهم، فرد عليهم
واصفا إياهم بالجهل. وأي جهل أفظع من الجهل بعظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل. ثم بين لهم أن هذا الذي عليه هؤلاء هالك وعملهم باطل. ثم ذكرهم موسى بنعم الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة والاستعلاء على عدوهم، والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره. وما أكرمهم به من تفضيل على عالمي زمانهم، فكيف يطلب لهم ربا غير الله، وقد فعل لهم كل هذا؟ ذكرهم بأقرب الأشياء إليهم لأنها أقرب الحجج عليهم. وإلا فمثل موسى لا يطلب ربا سوى الله، ولا يدعوهم إلى رب سوى الله. فضلهم أو لم يفضلهم. أنجاهم من ظلم فرعون. أو أبقاهم. فله الأمر من قبل ومن بعد. ومن بداية المقطع نشعر كيف يتسرب الانحراف، وكيف يبدأ وكيف يكون. فها هي أمة ترى المعجزات التي رأتها، ومع ذلك فإنها تطلب أن يكون لها أصنام تعبدها من دون الله. ورسولها بين أظهرها، وأرجلها لم تكد تجاوز البحر الذي رأت في سيرها فيه وانشقاقه لها أعظم معجزة.
ثم يقص الله عز وجل علينا ما أتم به النعمة على موسى وقومه، إذ أنزل عليهم الألواح في خلوة موسى مع ربه على الطور. وماذا فعلوه من الانحراف الجديد خلال غيبته.
فذكر تعالى ممتنا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية، بتكليمه موسى عليه السلام، وإعطائه الألواح، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم. فذكر أنه واعد موسى ثلاثين ليلة. ثم أمره تعالى أن يكمل بعشر أربعين. فلما عزم موسى على الذهاب إلى الطور، استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد، من باب تحقيق التواصي، وإلا فإن هارون رسول ونبي شأنه الإصلاح وعدم الإفساد. فلما جاء موسى لميقات الله وحصل له التكليم من الله، سأل الله تعالى أن ينظر إليه. فبين الله له أنه لا يمكن أن يراه في الدنيا، وعوضه عن الرؤية بأن أمره أن ينظر إلى الجبل فإذا رأى الجبل مستقرا عند تجلي الله على الجبل فعندئذ يمكن أن يراه، فلما تجلى الله للجبل ساخ الجبل وانهد، وخر موسى مغشيا عليه من هول ما رأى، فلما أفاق من صعقه بدأ يسبح الله وينزهه، والتسبيح في هذا المقام يفيد تنزيه الله عن أن يراه أحد في الدنيا. ثم ثنى بالتوبة مما سأل. وثلث بالإعلان عن نفسه أنه أول المؤمنين من قومه، أو أول المؤمنين بأنه لا يرى الله أحد من خلقه. فقال الله لموسى في هذا المقام مذكرا إياه بنعمه عليه إذ اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه، آمرا إياه أن يأخذ ما آتاه الله من الكلام والوحي والمناجاة، وأن يكون من الشاكرين على ذلك، وألا يطلب ما
لا طاقة له به.
ثم أخبر تعالى بعد أن أمره بأخذ ما آتاه بأنه قد أعطاه الألواح التي كتب له فيها من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ. وهناك اتجاهان للمفسرين المسلمين في هذه الألواح: الاتجاه الأول الذي يقول: إن هذه الألواح هي التوراة. فالتوراة متضمنة فيها، والاتجاه الثاني: أن الألواح أوتيها موسى قبل التوراة، وعلى كل فإنها كانت كالتعويض له عما سأله من الرؤية ومنع منه. وبعد أن أعطاه إياها أمره أن يأخذها بعزم على الطاعة، فيأخذ نفسه بأشد ما يأمر به قومه. وأمره أن يأمر قومه أن يعملوا بها.
وبعد ذلك قال له: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ التي تحتمل وعيدا، كما يقول الواعظ لمن يخاطبه: سأريك غدا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره. فيكون المعنى: سترون عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب. وتحتمل أن تكون وعدا بإعطائهم أرض الشام وهو أقوى ما تحمل عليه الآية. ثم بين الله عز وجل سنته في أنه يحول بين قلوب أهل الكبر وبين آياته فلا يرونها، بأن يمنع قلوب هؤلاء أن تفهم الحجج، والأدلة الدالة على عظمته وشريعته وأحكامه؛ بسبب كبرهم عن طاعة الله وتكبرهم على الناس بغير حق. فبسبب ذلك يعاقب الله هؤلاء بصرفهم عن فهم أسراره حتى إنهم لو رأوا كل آية لا يؤمنون، وإن يظهر لهم سبيل الرشد- سبيل النجاة- لا يسلكونها. وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلا. تلك سنته تعالى في المتكبرين في كل عصر ومصر أن يصرفهم عن رؤية آياته. وما ذلك إلا بسبب تكذيبهم لهذه الآيات وغفلتهم عنها، ثم بين تعالى جزاء من كذب بآياته واستمر على ذلك حتى الممات، كيف أن الله يحبط عمله وذلك جزاؤه على ما أسلفه من كفر.
وبينما موسى عليه السلام يتلقى هداية ربه ويناجيه، كان قومه يسيرون في طريق الكفر. ومن ثم أخبرنا الله في هذا السياق عما فعلوه في حال غيبته، إذ أخبرنا عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا بالغا حد الروعة في الصنعة،
حتى إنه ليصوت إذا دخلت فيه الريح كالبقر فافتتنوا به، ورقصوا حوله، وجعلوه إلها، ذاهلين عن خالق السموات والأرض، ورب كل شئ ومليكه، بأن عبدوا معه عجلا جسدا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غطى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال وقد أدركوا فيما بعد عظيم خطئهم، وندموا على ما فعلوا، وعرفوا أنه
إن لم يتداركهم الله برحمته ومغفرته فإنهم سيكونون من الهالكين.
ثم قص الله عز وجل علينا ما كان من موسى مع قومه عند ما رجع إليهم، فأخبرنا تعالى أنه رجع إلى قومه وهو في أشد حالات الغضب، فلما قابلهم خاطبهم بأنه بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم، ثم أنكر عليهم استبطاءهم له، واستعجالهم مجيئه، وهو في أمر الله وقدره، فسارعوا إلى ارتكاب ما ارتكبوه، ولم ينتظروا موسى، ثم أخبرنا تعالى كيف أنه حمي الغضب بموسى لما رأى ما رأى منهم؛ فألقى الألواح التي أعطاه الله إياها، وأخذ برأس أخيه هارون يجره إليه، خوفا أن يكون قد قصر في نهيهم، فاعتذر هارون وخاطبه بأرق الخطاب، ألا يسوقه مساقهم، ولا يخلطه معهم، وأنه ما قصر في نصحهم، وإنما أخر مفارقتهم حتى عودة موسى، فلما علم موسى عدم تقصير أخيه استغفر لنفسه واستغفر لأخيه، وسأل الله أن يدخله وأخاه في رحمته، مثنيا على الله بأنه أرحم الراحمين. ثم بين لقومه أن الذين عبدوا العجل منهم سيصيبهم غضب من الله، وذلة في الحياة الدنيا، وذلك جزاء من يفتري على الله. ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى لو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، فإنه تعالى من بعد الفعل والتوبة غفور رحيم. ولكن الذنب لا يمر بلا نوع عقوبة، ومن ثم فقد عوقب من عبد العجل بأن أمرهم الله أن يقتل بعضهم بعضا. كما مر في سورة البقرة، وعاقبهم بذلة قريبة وهم في الصحراء في أكثر من موطن.
ثم أخبر تعالى أن موسى قد اختار من قومه سبعين رجلا ليعتذروا عن عبادة العجل ويدعوه فأخذتهم الرجفة، فأخذ موسى يستغيث الله، ألا يهلكهم بذنوب السفهاء، داعيا الله عز وجل أن يرحم ويغفر وأن يعطي، سأله دفع المحذور، ثم سأله العطاء في الدنيا والآخرة له ولقومه، معلنا توبته وتوبة قومه، وفي هذا المقام بين الله لموسى سنته وطلاقة مشيئته بتعذيب من يشاء، ورحمة من يشاء، وبين له سعة رحمته، وأنه خص أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالخصوصيات العظمى والرحمة التامة، بما اجتمع لهم من التقوى، وإيتاء الزكاة، والإيمان، واتباع رسولهم النبي الأمي الذي سجل صفته في التوراة والإنجيل، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، محلا للطيبات، محرما للخبائث، آتيا بالحنيفية السمحة، وبالدين اليسر، يرفع فيه عن الأمم أثقالها وأغلالها، ثم بين تعالى أن من آمن بهذا الرسول، وعظمه، ووقره، واتبع الوحي الذي أنزله معه فهو المفلح، والتبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم في هذا المقام الذي ظهرت به إساءة بني إسرائيل وانحرافهم بعبادة العجل