الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم. إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا.
قال: فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة» . فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وروى البخاري في باب شهود الملائكة بدرا .. عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه- وكان أبوه من أهل بدر- قال:
جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ فقال: «من أفضل المسلمين» أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة).
ولنعد إلى التفسير الحرفي:
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ النعاس: النوم. والأمنة: الأمن، يذكرهم الله تعالى بما أنعم عليهم من إلقائه عليهم أمانا، وأمنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فالنوم يزيح الرعب ويريح النفس إذا لم يؤد إلى غرة. وإذا قام المقاتل ليلة المعركة فإن ذلك أقوى له، وأنشط وأروح وأكثر إعانة على الجلاد في المعركة، إذ لم يكن تفريط من قبل الحرس والمراقبين، بحيث يؤخذ الجيش على غرة، روى أبو يعلى عن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً أي مطرا لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ أي ليطهركم بالماء من الحدث والجنابة وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ أي وسوسته إليهم، وتخويفه إياهم من العطش، ويمكن أن يراد بالرجز الجنابة من الاحتلام لأنه من الشيطان وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ أي بالصبر وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ أي ويثبت بالماء الأقدام لأن الأقدام تسوخ في الرمل، أو يثبت بالربط الأقدام، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر يثبت القدم في مواطن القتال، قد كان هذا كله لمن دخل معركة بدر، وفي هذا تذكير للمسلمين الذين فرض الله عليهم القتال بما يمكن أن يفعله الله لهم إن قاتلوا فليقاتلوا في سبيله، وليتوكلوا عليه.
فائدة:
روى ابن إسحاق عن عروة في وصف ما حدث قبيل معركة بدر. قال بعث الله السماء، وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لبد لهم الأرض، ولم يمنعهم من السير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه. وقال مجاهد: أنزل
الله عليهم المطر قبيل النعاس، فأطفأ بالمطر الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم، وثبتت به أقدامهم. وروى ابن جرير عن علي رضي الله عنه قال: أصابنا من الليل طش من المطر- يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر، فانطلقنا تحت الشجرة والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال.
وبعد أن ذكر الله عز وجل ما فعل للمسلمين قبيل المعركة ذكرهم بنعمة أخرى خفية أظهرها الله لهم ليشكروه عليها، ولتتذكرها الأجيال، فيتقاتلوا ويتوكلوا على الله، واثقين بنصره وتأييده.
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ أي بالتأييد والنصرة فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا إما بتقوية قلوبهم بما يلقونه فيها، وإما بتكثير سوادهم، وإما بتبشيرهم بأن يتمثل الملك للصحابي رجلا يقول له ما يثبت به فؤاده سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الرعب هو: امتلاء القلب من الخوف، ولا شئ أقتل للجيوش من الرعب، إذ لا سلاح ولا عتاد ولا كثرة تنفع معه، وما من سلاح أقوى من هذا السلاح في نصرة الله عباده، إذ يقذفه في قلوب أعدائهم، ولذلك كان رسولنا عليه السلام يقول: نصرت بالرعب مسيرة شهر فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي ضربوا الهام ففلقوها واحتزوا الرقاب فقطعوها وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ البنان الإصبع، والمراد هنا الأطراف، ويضرب الأطراف يشل المقاتل، وبشله يضعف صفه، وهل هذا الأمر للمؤمنين، أو للملائكة. قولان، والراجح أنه للملائكة لأنهم قاتلوا يوم بدر. قال الربيع بن أنس كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم، بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به
ذلِكَ أي ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم أي مخالفتهم ومعاداتهم ومخاصمتهم لله ورسوله
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ أي ذوقوا هذا العذاب العاجل وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ في الآخرة. وبهذا ينتهي المقطع بعد أن بين الله عز وجل فيه أن الخير في القتال ولو كرهته الأنفس، وبعد أن بين حكمته في تشريع القتال، وبعد أن بين سبب تسليط الله جنده على الكافرين، فالمقطع تفصيل لشئون لها علاقة بالقتال الذي هو الموضوع الرئيسي في سورتي الأنفال وبراءة.