الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما أصاب الأمم الظالمة،
بعد هذا كله وصف الله المؤمنين الخلص وما أعد لهم فقال وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في التناصر والتراحم، فهم يد على من سواهم، يتناصرون فيما بينهم، ويحاربون من عداهم، ونعوذ بالله من حال أهل عصرنا، فقد أصبح أبناء المسلمين بعضهم أعداء بعض، كل ينصر طبقة من طبقات الكفر والنفاق والفسوق يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يحبون المعروف ويأمرون به، ويكرهون المنكر وينهون عنه، ونعوذ بالله من حال لا يدعى فيه إلى خير، ولا ينهى فيها عن شر وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ في كل ظرف، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ لأهلها، ونعوذ بالله من حال تقام بها الصلاة على الكسل والظرف، وتؤدى الزكاة- إن أديت- لغير أهلها وَيُطِيعُونَ اللَّهَ في كتابه وَرَسُولَهُ في أمره وسنته أُولئِكَ أي من اتصف بهذه الصفات سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ في الدنيا والآخرة، ومن رحمته إياهم في الدنيا أن يؤلف بين قلوبهم. ومن رأى حال المسلمين في عصرنا في تقصير عامة أفرادهم بمجموع هذه الصفات، عرف سبب تردي أحوالهم وكثرة اختلافهم. إن علينا أن نراعي في تربية أنفسنا وغيرنا التحقق بمجموع هذه الصفات، ووجود السين في قوله تعالى سَيَرْحَمُهُمُ يفيد وجود الرحمة لا محالة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي غالب على كل شئ، قادر عليه، فهو يقدر على الثواب والعقاب حَكِيمٌ أي واضع كلا من الثواب والعقاب موضعه
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً أي يطيب فيها العيش لحسنها وما فيها فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة، وعدن: اسم مدينة في الجنة على القول الراجح وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ أي وشئ من رضوان الله أكبر من ذلك كله، لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة ذلِكَ إشارة إلى ما وعد أو إلى الرضوان هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ دون ما يعده الناس فوزا، وهكذا بدأ المقطع في خطاب المؤمنين، وانتهى بوصف المؤمنين الخلص، وما أعده الله لهم.
فوائد:
1 -
في هذه المجموعة والمجموعات التي قبلها تحددت المعالم الكثيرة للشخصية المؤمنة، والشخصية المنافقة، وتحديد معالم الشخصية المنافقة يأتي بين يدي الأمر الأول في المقطع اللاحق، الذي يأمر بجهاد الكافرين والمنافقين، وتحديد معالم الشخصية المؤمنة يأتي في سياق الأمر بالنفير؛ ليعرف من هم هؤلاء الذين يستجيبون للنفير في سبيل الله، وهي معان يحتاجها القائد، ويحتاجها المسلم، وعلى المربين أن يلاحظوها.
2 -
تذكر بعض الروايات أن المنافقين الذين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر كانوا تسعة وثلاثين رجلا، ولقد شارك بعض المنافقين بالنفير- كما رأينا وكما سنرى- وأيا كان العدد فإن هذه النماذج التي ذكرتها السورة نماذج مستمرة في الحياة البشرية، ولذلك فإنه من خلال إدراك طبيعتها وأقوالها وأفعالها نستطيع أن نتعرف على أشباهها في كل جيل وعصر.
3 -
كل ما مر- وما سيمر- معنا في هذه السورة أمور تكتنف عملية الجهاد الإسلامي أولها صلة فيه، فمن عرف هذه السورة استطاع أن يكتشف- بنور القرآن- مواقع الناس من حوله في موضوع إقامة فريضة الجهاد.
4 -
بمناسبة قوله تعالى كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ نذكر ما رواه ابن جريج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتتبعن سنن
الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وباعا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: ومن هم يا رسول الله أهل الكتاب؟ قال: «فمن» .
5 -
وبمناسبة قوله تعالى وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ .. نذكر ما جاء في الصحيح:
أ- «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه.
6 -
وبمناسبة قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ .. نذكر بعض ما وصف به رسولنا عليه الصلاة والسلام هذه الجنات:
جاء في الصحيحين .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» . وفي الصحيحين أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلا في السماء، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليها، لا يرى بعضهم بعضا» . وفيهما أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها»
قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» . وفي الصحيحين .. عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما ترون الكوكب في السماء» وروى الإمام أحمد .. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة» قيل: يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: «أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو» . وفي مسند الإمام أحمد
…
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله:
حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: «لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران: من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» . وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة لغرفا، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» فقام أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي؟ فقال «لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» . وروى ابن ماجه
…
عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هل من مشمر إلى الجنة؟، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال:«إن شاء الله» فقال القوم: إن شاء الله». وروى الإمام مالك رحمة الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شئ أفضل من ذلك؟
فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا».
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله عز وجل هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ما خير مما أعطيتنا؟
قال: رضواني أكبر». رواه البزار وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة:
هذا عندي علي شرط الصحيح. وبهذا ننهي الكلام عن المقطع الأول من القسم الثاني