المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أَصْنامٍ لَهُمْ أي يواظبون على عبادتها قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ - الأساس في التفسير - جـ ٤

[سعيد حوى]

فهرس الكتاب

- ‌كلمة في آفاق الوحدة القرآنية بين يدي المجلد الرابع

- ‌سورة الأعراف

- ‌كلمة في سورة الأعراف ومحلها في السياق القرآني ومحورها:

- ‌ نقول

- ‌كلمة في أقسام سورة الأعراف ومقاطعها

- ‌[القسم الاول]

- ‌مقدمة السورة

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ المقطع الأول:

- ‌«الفقرة الأولى»

- ‌المعنى العام للمقطع:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌المعنى الحرفي للفقرة الأولى:

- ‌نقول وفصول:

- ‌فصل: في مظاهر من الكبر:

- ‌فصل: في التواضع:

- ‌فصل: في مناقشة التطوريين:

- ‌فصل: في حكمة إنظار إبليس:

- ‌فصل: في تعقيبات على قصة آدم:

- ‌فوائد:

- ‌[الفقرة الثانية]

- ‌المجموعة الأولى

- ‌يقول صاحب الظلال:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌فائدة:

- ‌ولنعد إلى التفسير:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌تعليقات:

- ‌كلمة فى السياق:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في سياق المجموعة:

- ‌تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية

- ‌فائدة:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌تفسير الفقرة الثالثة:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌[القسم الثاني]

- ‌ المقطع الأول من القسم الثاني

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى السياق:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌نقول:

- ‌فائدة:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌بين يدي الكلام عن المقاطع الثلاثة الآتية بالسورة

- ‌ المقطع الثاني من القسم الثاني:

- ‌تلخيص لمعاني المقطع:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فائدة:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌ملاحظات على هذه النقول:

- ‌المقطع الثالث من القسم الثاني

- ‌كلمة في السياق:

- ‌المعنى العام:

- ‌ المعنى الحرفي

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد حول الآية:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فوائد حول المقطع:

- ‌نظرة في كتاب العهد القديم فيما يخص المقطع:

- ‌في الإصحاح الرابع والعشرين في سفر الخروج:

- ‌فصل: في البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ المقطع الرابع في القسم الثاني

- ‌كلمة في سياق المقطع:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌فائدة:

- ‌ولنعد إلى السياق:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى السياق:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌القسم الثالث من سورة الأعراف

- ‌استعراض لمعاني القسم:

- ‌المعنى العام للقسم:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌نقول:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في سياق هذا القسم:

- ‌كلمة في سورة الأعراف:

- ‌سورتا الأنفال وبراءة

- ‌كلمة في محل السورتين ضمن السياق القرآني العام

- ‌سورة الأنفال

- ‌[القسم الاول]

- ‌مقدمة السورة

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌المقطع الأول من القسم الأول

- ‌ المعني العام

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى السياق

- ‌فوائد:

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فائدة:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ المقطع الثاني من القسم الأول:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌مسألة مهمة:

- ‌قال الجصاص عند قوله تعالى:

- ‌فوائد

- ‌ولنعد إلى التفسير الحرفي:

- ‌فائدة:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ القسم الثاني

- ‌ المقطع الأول من القسم الثاني

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي للمجموعة الأولى:

- ‌فوائد:

- ‌المعنى الحرفى للمجموعة الثانية:

- ‌فائدة:

- ‌المعنى الحرفي للمجموعة الثالثة:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌الفوائد:

- ‌قضيتان مهمتان:

- ‌ المقطع الثاني من القسم الثاني

- ‌كلمة في هذا المقطع

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي للفقرة الأولى:

- ‌كلمة في آيات القتال:

- ‌فوائد

- ‌كلمة في السياق:

- ‌التفسير الحرفي للفقرة الثانية من المقطع الثاني من القسم الثاني:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ خاتمة سورة الأنفال

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في سورة الأنفال:

- ‌سورة التوبة

- ‌كلمة في سورة التوبة:

- ‌القسم الأول

- ‌بين يدي هذا القسم:

- ‌المعنى العام:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌فائدة:

- ‌المعنى الحرفي للمقطع الأول:

- ‌فوائد:

- ‌ولننتقل الآن إلى التفسير الحرفي للمقطع الثاني:

- ‌فوائد:

- ‌المعنى الحرفي للمقطع الثالث:

- ‌[الفقرة الأولى]

- ‌فائدة:

- ‌فوائد:

- ‌قال الألوسي:

- ‌المعنى الحرفي للفقرة الثانية من المقطع الثالث:

- ‌فوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌القسم الثاني من سورة براءة

- ‌المقطع الأول

- ‌المعنى العام:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌ التفسير الحرفي

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌الفوائد:

- ‌فائدة:

- ‌ولنعد إلى السياق:

- ‌فوائد

- ‌فائدة:

- ‌ الفوائد

- ‌فوائد:

- ‌المقطع الثاني من القسم الثاني

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌فوائد:

- ‌الفوائد:

- ‌الفوائد:

- ‌الفوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌فصل: في الكينونة مع الصادقين:

- ‌المقطع الثالث من القسم الثاني

- ‌كلمة بين يدي هذا المقطع:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي

- ‌الفوائد:

- ‌كلمة في السياق:

- ‌القسم الثالث والأخير

- ‌كلمة في هذه الآيات:

- ‌المعنى العام:

- ‌المعنى الحرفي:

- ‌الفوائد:

- ‌كلمة في أواخر سورة براءة

- ‌كلمة في سورتي الأنفال وبراءة

- ‌كلمة حول القسم الأول من أقسام القرآن:

- ‌ملاحظات حول هذا القسم:- ملاحظات للمربين

الفصل: أَصْنامٍ لَهُمْ أي يواظبون على عبادتها قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ

أَصْنامٍ لَهُمْ أي يواظبون على عبادتها قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً أي صنما نعكف عليه كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أي أصنام يعكفون عليها. قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لما كان هذا عجيبا منهم بعد ما رأوا من الآيات العظمى، وصفهم بالجهل المطلق وأكده

إِنَّ هؤُلاءِ أي: عبدة تلك التماثيل مُتَبَّرٌ أي مهلك من التبار ما هُمْ فِيهِ أي ما هم فيه هالك ومهدوم وأنا أول من يريد إهلاكه فكيف أقلدهم فيه وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ما عملوه من عبادة الأصنام باطل مضمحل

قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً أي أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبودا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي على عالمي زمانهم

وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي واذكروا إنجاء الله إياكم من فرعون وقومه فكيف تشركون معه غيره يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي يبغونكم شدة العذاب من سام السلعة إذا طلبها يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ أي: في الإنجاء أو في العذاب بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أي نعمة أو محنة، لأن كلمة بلاء من أسماء الأضداد، فإذا أعدنا الإشارة على الإنجاء كان المراد بها النعمة، وإذا أعدناها على العذاب كان المراد بها المحنة.

‌فوائد:

1 -

روى الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت: يا نبي الله اجعل لنا هذه ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون (أي يعلقون) سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن من قبلكم» .

2 -

وبمناسبة هذه الآية يذكر النسفي أن يهوديا قال لعلي رضي الله عنه: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه (يظهر أن المراد ماء القبر الذي يرش عليه حين الدفن لتسويته) فقال ردا عليه: قلتم: اجعل لنا إلها ولم تجف أقدامكم.

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أي ما وقت له من الوقت وضرب له أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أي تم بالغا هذا العدد وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ أي عند ما ذهب لميقات ربه اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي أي كن خليفتي فيهم وَأَصْلِحْ أي ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ أي ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه.

ص: 2008

قال صاحب الظلال تعليقا على هذه الآية:

«لقد انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى التي أرسل لها انتهت مرحلة تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والهوان والنكال والتعذيب بين فرعون وملئه، وإنقاذهم من أرض الذل والقهر إلى الصحراء الطليقة، في طريقهم إلى الأرض المقدسة .. ولكن القوم لم يكونوا بعد على استعداد لهذه المهمة الكبرى .. مهمة الخلافة في الأرض بدين الله ..

ولقد رأينا كيف اشرأبت نفوسهم إلى الوثنية والشرك بمجرد أن رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم. ولم يمض إلا القليل! فلم يكن بد من رسالة مفصلة لتربية هؤلاء القوم، وإعدادهم لما هم مقبلون عليه من الأمر العظيم ومن أجل هذه الرسالة المفصلة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه ويتلقى عنه. وكانت هذه المواعدة إعدادا لموسى لنفسه، كي يتهيأ في هذه الليالي للموقف الهائل العظيم، ويستعد لتلقيه.

وكانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة، أضيفت إليها عشر، فبلغت عدتها أربعين ليلة، يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود، وينعزل فيها عن شواغل الأرض ليستغرق في هواتف السماء، ويعتكف فيها عن الخلق ليستغرق فيها في الخالق الجليل، وتصفو روحه وتشرق وتستضئ، وتتقوى عزيمته على مواجهة الموقف المرتقب وحمل الرسالة الموعودة.

وألقى موسى إلى أخيه هارون قبل مغادرته لقومه واعتزاله واعتكافه- بوصيته تلك:

وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ذلك وموسى يعلم أن هارون نبي مرسل من ربه معه، ولكن المسلم للمسلم ناصح. والنصيحة حق وواجب للمسلم على المسلم، ثم إن موسى يقدر ثقل التبعة، وهو يعرف طبيعة قومه بني إسرائيل .. وقد تلقى هارون النصيحة لم تثقل على نفسه، فالنصيحة إنما تثقل على نفوس الأشرار لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه، وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار الذين يحسون في النصيحة تنقصا لأقدارهم

إن الصغير هو الذي يبعد عنه يدك التي تمتد لتسانده ليظهر أنه كبير!!!

فأما قصة الليالي الثلاثين وإتمامها بالعشر الليالي فقال عنها ابن كثير في التفسير:

«فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة، قال المفسرون. فصامها موسى عليه السلام وطواها، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين» .

ص: 2009

ولنعد إلى استعراض المعنى الحرفي:

وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا أي لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا، فالكلام عن المجئ المخصوص بميقات الله وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أي بلا واسطة ولا كيفية. فكلام الله الأزلى ليس كمثله شئ. وقال بعضهم إنه كان يسمع الكلام من كل جهاته. قال النسفي:

وذكر الشيخ في التأويلات أن موسى عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى وكان اختصاصه باعتبار أنه أسمعه صوتا تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسبا لأحد من الخلق.

قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال النسفي لما سمع كلامه طمع في رؤيته لغلبة شوقه فسأل الرؤية والمعنى أرني ذاتك انظر إليك أي: مكني من رؤيتك بأن تتجلى لي حتى أراك. قال النسفي: وهو دليل لأهل السنة (أي ضد المعتزلة) على جواز الرؤية (أي لله تعالى) فإن موسى (وهو الأعلم بالله) اعتقد أن الله تعالى يرى حتى سأله، واعتقاد

جواز ما لا يجوز على الله كفر. قالَ لَنْ تَرانِي أي بالعين الفانية في هذه الدنيا الفانية بل بعين باقية في الدار الباقية قال النسفي: وهو دليل لنا أيضا (أي لأهل السنة على المعتزلة في موضع رؤية الله في الدار الآخرة) لأنه لم يقل لن أرى ليكون نفيا للجواز ولو لم يكن مرئيا لأخبر بأنه ليس بمرأى إذ الحالة حالة الحاجة إلى البيان وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ أي فإن بقي على حاله فَسَوْفَ تَرانِي قال النسفي: وهو دليل لنا أيضا لأنه علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن. وتعليق الشئ بما هو ممكن يدل على إمكانه كالتعليق بالممتنع يدل على امتناعه. والدليل على أنه ممكن قوله جَعَلَهُ دَكًّا ولم يقل اندك، وما أوجده تعالى كان جائزا أن لا يوجد لو لم يوجده لأنه مختار في فعله، ولأنه تعالى ما آيسه عن ذلك ولا عاتبه عليه. ولو كان ذلك محالا لعاتبه كما عاتب نوحا عليه السلام بقوله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ حين سأل إنجاء ابنه من الغرق.

فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قال النسفي: أي ظهر وبان ظهورا بلا كيف، قال الشيخ أبو منصور رحمه الله معنى التجلي للجبل ما قاله الأشعري: إنه تعالى خلق في الجبل حياة وعلما ورؤية حتى رأى به. وهذا نص في إثبات كونه مرئيا. وبهذه الوجوه يتبين جهل منكري الرؤية، وقولهم بأن موسى عليه السلام كان عالما بأنه لا يرى، ولكن طلب قومه أن يريهم ربه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فطلب الرؤية ليبين الله تعالى أنه ليس بمرئي، باطل، إذ لو كان كما زعموا لقال: أرهم

ص: 2010

ينظروا إليك، ثم يقول له: لن يروني، لأنها لو لم تكن جائزة لما أخر موسى عليه السلام الرد عليهم. بل كان يرد عليهم وقت قرع كلامهم سمعه- لما فيه من التقرير على الكفر، وهو عليه السلام بعث لتغييره لا لتقريره ألا ترى أنهم لما قالوا له اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ لم يمهلهم بل رد عليهم من ساعته بقوله: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ جَعَلَهُ دَكًّا أي مدكوكا: والدق والدك أخوان في المعنى وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً أي وسقط مغشيا عليه فَلَمَّا أَفاقَ أي من صعقه قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ أي من سؤالي رؤيتك في الدنيا وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أي بعظمتك وجلالك وبأنك لا تعطي الرؤية في الدنيا مع جوازها. قال أبو العالية: قد كان قبله مؤمنون ولكن يقول أنا أول من آمن بك أنك لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة قال النسفي: وهذا قول حسن له اتجاه.

قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ أي اخترتك على أهل زمانك بِرِسالاتِي أي بما أوحيه إليك لتبلغه عني كالتوراة وَبِكَلامِي أي وبتكليمي إياك فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة أو من الكلام والمناجاة وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على النعمة في ذلك. فهي من أجل النعم

وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ هل المراد بها التوراة هنا أو ألواح أعطيها موسى قبل التوراة؟

قولان للعلماء والراجح أنها التوراة لوصفها بما توصف به التوراة عادة مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي كتبنا له في الألواح كل شئ كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي فخذ الألواح بقوة أوخذ أحكامها بقوة. أي بجد وعزيمة فعل أولي العزم من الرسل وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي فيها ما هو حسن وأحسن، كالقصاص والعفو والانتصار والصبر والمعنى: فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر في الثواب سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ أي دار من ظلم وهذا وعد لهم بأن ينزلهم منازل الظالمين في بلاد الشام التي وعدوها. وفي الوقت نفسه فيه طلب للاعتبار، أي لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم.

قال صاحب الظلال:

«وتختلف الروايات والمفسرون في شأن الألواح، ويصفها بعضهم أوصافا مفصلة- نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير- ولا نجد في هذا كله شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه. وما تزيد تلك الأوصاف شيئا أو تنقص من حقيقة هذه الألواح، أما ما هي

ص: 2011

وكيف كتبت؟ فلا يعنينا هذا في شئ بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شئ يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد سواء».

وفي الآية التي مرت معنا أمر ووعد أما الأمر فهو قوله تعالى:

فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها وأما الوعد فهو قوله تعالى سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ.

وقد قال صاحب الظلال في هذا وهذا:

قال عند قوله تعالى: فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها.

(والأمر الإلهي الجليل لموسى عليه السلام أن يأخذ الألواح بقوة وعزم، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم .. هذا الأمر على هذا النحو فضلا على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية التي أفسدها الذل وطول الأمد، بالعزم والجد، لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه كذلك يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها ..

إن العقيدة أمر كبير عند الله سبحانه وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ «الإنسان» وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك .. والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية الله- سبحانه- وعبودية البشر لربوبيته وحده، منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها، ويقيم هذه الحياة

على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية، حيث تقوم ربوبية غير ربوبية الله سبحانه، ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي ينبثق من تلك العقيدة.

وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ الإنسان. يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه، ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخيص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلا على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص، أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر ..

وليس معنى هذا- بطبيعة الحال- هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض. فهذا ليس من طبيعة دين الله .. ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة .. وهي صفات

ص: 2012

أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض.

ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل- بصفة خاصة- بعد ما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر، تحتاج إلى هذا التوجيه لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد، تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية، على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة .. ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل، والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنبا للمشقة .. كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع، لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئا.».

وقال عند قوله تعالى سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ: (وفي مقابل أخذ هذا الأمر بقوة يعد الله موسى وقومه أن يمكن لهم في الأرض، ويورثهم دار الفاسقين عن دينه:

سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ والأقرب أنها إشارة إلى الأرض المقدسة التي كانت- في ذلك الزمان- في قبضة الوثنيين وإنها بشارة لهم بدخولها .. وإن كان بنو إسرائيل لم يدخلوها في عهد موسى- عليه السلام لأن تربيتهم لم تكن قد استكملت، وطبيعتهم تلك لم تكن قد قومت فوقفوا أمام الأرض المقدسة يقولون لنبيهم: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ

ثم لما ألح عليهم الرجلان المؤمنان فيهم اللذان يخافان الله في الدخول والاقتحام. أجابوا موسى بتوقح الجبان- كالدابة التي ترفس سائقها: قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ

مما يصور تلك الطبيعة الخائرة المفككة الملتوية التي كانت تعالجها العقيدة والشريعة التي جاء بها موسى عليه السلام، وأمر هذا الأمر الإلهي الجليل أن يأخذها بقوة، وأن يأمر قومه بحمل تكاليفها الشاقة.). ولنعد إلى التفسير الحرفي:

سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فهم بعضهم أن هذا الخطاب لهذه الأمة. وقال ابن كثير: ليس هذا بلازم لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة، ولا فرق بين أحد وأحد في هذا، وأقول: هو لبني إسرائيل كما أنه لكل إنسان فهي سنة من سنن الله عز وجل. والصرف عن الآيات المنع عن فهمها،

ص: 2013