الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الأنفال
وهي السورة الثامنة بحسب الرسم القرآني وهي مع سورة التوبة تعتبران السورة السابعة من قسم الطوال وآياتها خمس وسبعون وهي مدنية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
سورة الأنفال مدنية، آياتها خمس وسبعون، وكلماتها ألف وستمائة وإحدى وثلاثون كلمة، وحروفها خمسة آلاف ومائتان وأربعة وتسعون حرفا، وقد رأينا في الصفحات السابقة محل السورة في السياق القرآني العام ومحورها.
وككل سورة في القرآن فإن لسورة الأنفال سياقها الخاص، ووحدتها الخاصة، زيادة على ارتباطها في السياق العام للقرآن، ولذلك فإننا نلاحظ أن مقدمة السورة تقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لاحظ قوله تعالى: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ثم تسير السورة لنرى في خاتمتها- وذلك قبل الآية الأخيرة- قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لاحظ كذلك قوله تعالى: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا من هذا وأمثاله ندرك وحدة السورة، وترابط آياتها، وترابط فقراتها ومقاطعها، وترابط مقدماتها مع خاتمتها، وهذا كله سيتضح لنا أثناء العرض.
ولقد قدم صاحب الظلال لهذه السورة بعشرات الصفحات، ونجد أنفسنا أسرى كلماته ولذلك فسننقل مقتطفات من كلامه الذي قدم فيه لهذه السورة، مع نقل عنه من مكان آخر نرى أنه من المناسب أن ندخله في هذه المقتطفات:
«هذه السورة نزلت في غزوة بدر الكبرى .. وغزوة بدر- بملابساتها وبما ترتب عليها في تاريخ الحركة الإسلامية وفي التاريخ البشري جملة- تقوم معلما في طريق تلك الحركة وفي طريق هذا التاريخ.
وقد سمى الله سبحانه .. يومها يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ .. كما أنه جعلها مفرق الطريق بين الناس في الآخرة كذلك، لا في هذه الأرض وحدها؛ ولا في التاريخ البشري على هذه الأرض في الحياة الدنيا وحدها. فقال سبحانه: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ* وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها .. مِنْ غَمٍّ .. أُعِيدُوا فِيها، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ* إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ* وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ .. الحج (19 - 24) وقد ورد أن هذه الآيات نزلت في الفريقين اللذين التقيا يوم بدر .. يوم الفرقان .. لا في الدنيا وحدها ولا في التاريخ البشري على الأرض وحدها؛ ولكن كذلك في الآخرة وفي الأبد الطويل .. وتكفي هذه الشهادة من الجليل- سبحانه- لتصوير ذلك اليوم وتقديره ..
«لم تكن غزوة بدر الكبرى هي أولى حركات الجهاد الإسلامي فقد سبقتها عدة سرايا، لم يقع قتال إلا في واحدة منها، هي سرية عبد الله بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .. وكانت كلها تمشيا مع القاعدة التي يقوم عليها الجهاد في الإسلام .. نعم إنها كلها كانت موجهة إلى قريش التي أخرجت رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمسلمين الكرام؛ ولم تحفظ حرمة البيت الحرام المحرمة في الجاهلية وفي الإسلام. ولكن هذا ليس الأصل في انطلاقة الجهاد الإسلامي. إنما الأصل هو إعلان الإسلام العام بتحرير الإنسان من العبودية لغير الله وبتقرير ألوهية الله في الأرض؛ وتحطيم الطواغيت التي تعبد الناس، وإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده .. وقريش كانت هي الطاغوت المباشر الذي يحول بين الناس في الجزيرة وبين التوجه إلى عبادة الله وحده؛ والدخول في سلطانه وحده. فلم يكن بد أن يناجز الإسلام هذا الطاغوت، تمشيا مع خطته العامة؛ وانتصافا- في الوقت ذاته- من الظلم والطغيان اللذين وقعا بالفعل على المسلمين الكرام؛ ووقاية كذلك لدار الإسلام في المدينة من الغزو والعدوان .. وإن كان ينبغي دائما ونحن نقرر هذه الأسباب المحلية القريبة أن نتذكر- ولا ننسى- طبيعة هذا الدين نفسه وخطته التي تحتمها طبيعته هذه.
وهي ألا يترك في الأرض طاغوتا يغتصب سلطان الله؛ ويعبد الناس لغير ألوهيته وشرعه بحال من الأحوال»
أقول: وفي هذه الغزوة ينكشف للإنسان أن هناك قوانين وسننا أوسع مما يظنه الجاهلون وأن لله قدرا وأن لله تدبيرا فوق كل تدبير.
يقول صاحب الظلال: «ولقد ظلت الجاهلية «العلمية» الحديثة تلج فيما تسميه «حتمية القوانين الطبيعية» . وذلك لتنفي «قدر الله» وتنفي «غيب الله» . حتى وقفت في النهاية- عن طريق وسائلها وتجاربها ذاتها- أمام غيب الله وقدر الله وقفة العاجز عن التنبؤ الحتمي! ولجأت إلى نظرية «الاحتمالات» في عالم المادة. فكل ما كان حتميا صار احتماليا. وبقي «الغيب» سرا محترما. وبقي قدر الله هو الحقيقة الوحيدة المستيقنة، وبقي قول الله- سبحانه- لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً هو القانون الحتمي الوحيد، الذي يتحدث بصدق عن طلاقة المشيئة الإلهية من وراء القوانين الكونية التي يدبر الله بها هذا الكون، بقدره النافذ الطليق.
وقال صاحب الظلال: «ولأن المعركة- كل معركة- يخوضها المؤمنون .. من صنع الله وتدبيره. بقيادته وتوجيهه. بعونه ومدده. وقدره. له وفي سبيله. تتكرر الدعوة
في السورة إلى الثبات فيها، والمضي معها، والاستعداد لها، والاطمئنان إلى تولي الله فيها، والحذر من المعوقات عنها من فتنة الأموال والأولاد، والاستمساك بآدابها، وعدم الخروج لها بطرا ورئاء الناس. ويؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .. بتحريض المؤمنين عليها».
«وفي ذات الوقت الذي تتكرر الأوامر بالتثبيت في المعركة يتجه السياق إلى توضيح معالم العقيدة وتعميقها ورد كل أمر وكل حكم وكل توجيه إليها. فلا تبقى الأوامر معلقة في الفراغ، وإنما ترتكز على ذلك الأصل الواضح الثابت العميق:
«ا» في مسألة الأنفال يردون إلى تقوى الله، والوجل عند ذكره، وتعلق الإيمان بطاعة الله وطاعة رسوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
«ب» وفي خطة المعركة يردون إلى قدرة الله وتدبيره، وتصريفه لمراحلها جميعا:
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ..
«ج» وفي أحداثها ونتائجها يردون إلى قيادة الله لها، ومدده وعونه فيها: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً
حَسَناً ....
«د» وفي الأمر بالثبات فيها يردون إلى ما يريده الله لهم بها من حياة، وإلى قدرته على الحيلولة بينهم وبين قلوبهم، وإلى تكفله بنصر من يتوكل عليه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
…
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
«هـ» وفي تحديد الهدف من وراء المعركة يقرر: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ .. ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ .. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ
لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ* لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ.
«و» وفي تنظيم العلاقات في المجتمع المسلم بينه وبين غيره من المجتمعات الأخرى تبرز العقيدة قاعدة للتجمع وللتميز، وتجعل القيم العقيدية هي التي تقدم في الصف أو تؤخر .. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ* وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
…
«هذا مجمل لخطوط السورة الرئيسية .. فإذا كانت السورة بجملتها إنما نزلت في غزوة بدر، وفي التعقيب عليها، فإننا ندرك من هذا طرفا من منهج القرآن في تربية الجماعة المسلمة، وإعدادها لقيادة البشرية وجانبا من نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما يجرى في الأرض وفي حياة البشرية؛ مما يقوم منه تصور صحيح لهذه الحقيقة:
لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقى فيها المسلمون أعداءهم من المشركين، فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة .. ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية .. لقد كانوا إنما خرجوا ليأخذوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم فأراد الله للعصبة المسلمة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة .. أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة ومكروا مكرهم لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بعد ما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى.
لقد أراد الله سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقانا بين الحق والباطل؛ وفرقانا في خط سير التاريخ الإسلامي. ومن ثم فرقانا في خط سير التاريخ الإنساني .. وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم. وتدبير رب البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر. كما أراد أن تتعلم العصبة المؤمنة عوامل النصر وعوامل الهزيمة، وتتلقاها مباشرة من يدربها، وهي في ميدان المعركة وأمام مشاهدها.
وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة؛ وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة. كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب والغنائم والأسرى، والمعاهدات والمواثيق، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة كلها مصنوعة في أسلوب التوجيه المربي، الذي ينشئ التصور الاعتقادي ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني .. وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها.
ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها .. مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها؛ كأن قارئ القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوبا عميقا.
واستطرد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول. صلى الله عليه وسلم .. وحياة أصحابه في مكة، وهم قلة مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس. ذلك ليذكروا فضل الله عليهم في ساعة النصر، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر الله، وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة. وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعدها. وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم، لتقرير سنة الله التي لا تتخلف في الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه»
أقول: وهذه الإشارات التي أشارت إليها السورة مما له صلة بالعهد المكي جعلت بعض العلماء يتجهون إلى أن بعض آيات السورة مكية وقد رد هذا الاتجاه صاحب الظلال مستدلا ومبرهنا فقال:
(وقد ذكر ابن إسحاق. عن عبد الله بن أبي نجيح. عن مجاهد. عن ابن عباس- وعنه كذلك من طريق آخر- حديثا طويلا عن تبييت قريش ومكرهم هذا، جاء في نهايته
قوله: « .. وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه- بعد قدومه المدينة- «الأنفال» يذكره نعمه عليه، وبلاءه عنده: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.
وهذه الرواية عن ابن عباس. رضي الله عنهما. هي التي تتفق مع السياق القرآني قبل هذه الآيات وبعدها. من تذكير الله سبحانه لنبيه- صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بما أسلف إليهم من فضله؛ في معرض تحريضهم على الجهاد في سبيل الله والاستجابة لما يدعوهم إليه منه، والثبات يوم الزحف .. إلى آخر ما تعالجه السورة من هذا الأمر كما سنبين ..
والقول بأن هذه الآيات مدنية كالسورة كلها هو الأولى
…
)
وقد آن الأوان للبدء في عرض السورة:
تتألف سورة الأنفال من قسمين رئيسيين: القسم الأول: ويتألف من مقدمة السورة ومقطعين، القسم الثاني: ويتألف من مقطعين، وخاتمة للسورة، وتتألف مقدمة السورة من أربع آيات، ثم يأتي المقطع الأول فيعرض علينا صفحة من غزوة بدر، ويبدأ بقوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وبعد أن يعرض علينا المقطع الأول صفحة من صفحات بدر، يأتي المقطع الثاني وفيه خمسة نداءات للمؤمنين كل منها بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* ثم يأتي القسم الثاني: ويبدأ المقطع الأول منه بخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما بدأ المقطع الأول في القسم الأول- وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
وكما عرض علينا القسم الأول صفحة من صفحات بدر، وكما كان في القسم الأول كلام عن الغنائم، فإن المقطع الأول من القسم الثاني يحدثنا عن أفعال الكافرين برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر، وينتهي بالكلام عن بدر، ثم يأتي المقطع الثاني في القسم الثاني وهو يشبه المقطع الثاني في القسم الأول، إذ فيه مجموعة نداءات ولكنها في
هذه المرة متنوعة، فمنها ما هو بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* ومنها ما هو بصيغة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* ثم تأتي الخاتمة وفيها مجموعة تقريرات ولنبدأ بعرض مقدمة السورة.
***