الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة، أو من الطعام والفاكهة على تقدير. أو ألقوا علينا مما رزقكم الله، وإنما سألوا ذلك مع يأسهم عن الإجابة لأن المتحير ينطق بما يفيد وبما لا يفيد، وذكر الإفاضة يدل على أن الجنة فوق النار قالُوا أي أهل الجنة إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ تحريم منع كما في قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ (القصص:
12)
ثم وصف الكافرين بالصفات التي أوبقتهم؛ وجعلتهم يستحقون هذا العذاب الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً فحرموا وأحلوا ما شاءوا، أو اتخذوا اللعب واللهو دينا لهم
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
فنسوا الآخرة واغتروا بطول البقاء فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ أي نتركهم في العذاب كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا أي كنسيانهم اليوم الآخر وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي وكما كانوا بالوحي يجحدون، فهذه هي الصفات التي أوبقتهم: حب الدنيا، ونسيان الآخرة، والتكذيب بآيات الله.
فوائد:
1 -
بمناسبة قوله تعالى: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ يروي ابن كثير مجموعة أحاديث نذكرها مع حذف الأسانيد: (روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال:
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثة، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط؛ ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون- يعني- بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة، فيقولون:
فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها،
حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله.
فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له: وما عملك؟ فيقول له: قرأت كتاب الله؛ فآمنت به، وصدقت، فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة، سود الوجود، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول ..
فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح.
ويخرج منها كأنتن ريح جيفة، وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا. فيستفتح فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول:
هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء، أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومهما، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي
يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجئ بالشر؟
فيقول أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة». وروى الإمام أحمد أيضا
…
عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة فذكر نحوه. وفيه:
حتى إذا خرج روحه (أي المؤمن) صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء. وفتحت له أبواب السماء، وليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله عز وجل أن يعرج بروحه من قبلهم وفي آخره: ثم يقيض له (أي للكافر) أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا، فيضربه ضربة فيصير ترابا، ثم يعيده الله عز وجل كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها كل شئ إلا الثقلين. قال البراء: ثم يفتح له باب من النار ويمهد له فرش من النار.
وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن جرير واللفظ له
…
عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل، وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي
ذميمة، وأبشري بجحيم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لم تفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى القبر) اه ابن كثير.
وعند قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ يقول الألوسي:
لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أي لأرواحهم إذا ماتوا أَبْوابُ السَّماءِ كما تفتح لأرواح المؤمنين. أخرج أحمد. والنسائي. والحاكم وصححه. والبيهقي. وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة
وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان ابن فلان.
فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، وإذا كان الرجل السوء قالت: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟
فيقولون: فلان ابن فلان. فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من بين السماء والأرض ثم تصير إلى القبر» والأخبار في ذلك كثيرة. وقيل: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم أبواب السماء.
وروي ذلك عن الحسن. وقيل: لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم. وروي ذلك عن ابن جريج وقيل: المراد لا يصعد لهم عمل ولا تنزل عليهم بركة)
2 -
وبمناسبة قوله تعالى وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ نذكر ما جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. فو الذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا» وقال السدي في قوله وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غل، فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدا. وقد روى أبو إسحاق
…
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوا من هذا، وروى ابن جرير عن قتادة قال: قال علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ وقال عبد الرزاق
…
أن عليا رضي الله عنه قال:
فينا والله أهل بدر نزلت وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ فالجنة إذن سلام في الباطن وفي الظاهر، وسلام في التعامل، وسلام في الحال وفي المآل، فهي دار السلام نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
3 -
وبمناسبة قوله تعالى تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال ابن كثير (روى النسائي وابن مردويه واللفظ له
…
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني: فيكون له شكرا، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني، فيكون له حسرة» . ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، أي بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة، فدخلتم الجنة، وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم؛ وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) اهـ كلام ابن كثير.
وعن قوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ يقول صاحب الظلال: (هؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات قدر استطاعتهم لا يكلفون إلا طاقتهم .. هؤلاء هم يعودون إلى جنتهم إنهم أصحابها- بإذن الله وفضله- ورثها لهم- برحمته- بعملهم الصالح مع الايمان؛ جزاء ما اتبعوا رسل الله، وعصوا الشيطان، وجزاء ما أطاعوا أمر الله العظيم الرحيم وعصوا وسوسة العدو اللئيم القديم، ولولا رحمة الله ما كفى عملهم- في حدود طاقتهم- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» وليس هنا لك تناقض ولا اختلاف بين قوله الله سبحانه في هذا الشأن وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وهو لا ينطق عن الهوى .. وكل ما ثار من الجدل حول هذه القضية بين الفرق الإسلامية لم يقم على الفهم الصحيح لهذا الدين، إنما ثار عن الهوى، فلقد علم الله من بني آدم ضعفهم وعجزهم وقصورهم عن أن تفي أعمالهم بحق الجنة، ولا بحق نعمة واحدة من نعمه عليهم في الدنيا؛ فكتب على نفسه الرحمة، وقبل منهم جهد المقل القاصر الضعيف، وكتب لهم به الجنة فضلا منه ورحمة؛ فاستحقوها بعملهم ولكن بهذه الرحمة ..
وبعد فإذا كان أولئك المغترون المكذبون المجرمون الظالمون الكافرون المشركون يتلاعنون في النار ويتخاصمون، وتغلي صدورهم بالسخائم والأحقاد، بعد أن كانوا أصفياء أولياء .. فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة إخوان متحابون، متصافون متوادون يرف عليهم السلام والولاء: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ
فهم بشر وهم عاشوا بشرا. وقد يثور بينهم في الحياة الدنيا غيظ يكظمونه وغل يغالبونه ويغلبونه .. ولكن تبقى في القلب منه آثار.
قال القرطبي في تفسيره المسمى أحكام القرآن: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين).
4 -
بمناسبة قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ نقل النسفي كلاما يحتج به على المعتزلة في موضوع خلق الأفعال عن الشيخ أبي منصور الماتريدي قال: (إن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبر، ونوحا عليه السلام، وأهل الجنة والنار، وإبليس لأنه قال الله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ* وقال نوح عليه السلام: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ وقال أهل الجنة: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ وقال أهل النار:
لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ وقال إبليس: فَبِما أَغْوَيْتَنِي.
5 -
وبمناسبة قوله تعالى: أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا يقول ابن كثير:
وكذلك قرع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى القليب يوم بدر فنادى: «يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة- وسمى رءوسهم- هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعد ربي حقا» . وقال عمر: يا رسول الله تخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا» .
أقول: فلنقبل: على الله بالعمل والإخلاص والمحبة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والبغض لأعدائه، فلعل الله يوقفنا الموقف الأكرم فنكون من أهل الدرجات العلى وما ذلك على الله بعزيز، وإن أملنا به كبير، ورجاءنا له لعظيم على تقصير في العمل واتهام للنفس.
6 -
وعند قوله تعالى فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً يقول صاحب الظلال:
(وفي هذا الوصف: وَيَبْغُونَها عِوَجاً إيحاء بحقيقة ما يريده الذين يصدون عن سبيل الله إنهم يريدون الطريق العوجاء؛ ولا يريدون الطريق المستقيم. يريدون العوج ولا يريدون الاستقامة. فالاستقامة لها صورة واحدة: صورة المضي على طريق الله ومنهجه وشرعه. وكل ما عداه فهو أعوج؛ وهو إرادة للعوج. وهذه الإرادة تلتقي مع
الكفر بالآخرة. فما يؤمن بالآخرة أحد، ويستيقن أنه راجع إلى ربه؛ ثم يصد عن سبيل الله، ويحيد عن نهجه وشرعه .. وهذا هو التصوير الحقيقي لطبيعة النفوس التي تتبع شرعا غير شرع الله، التصوير الذي يجلو حقيقة هذه النفوس ويصفها الوصف الصحيح).
7 -
وقد حكى القرطبي وغيره في أهل الأعراف اثني عشر قولا وأقوى الأقوال ما ذكرنا، ويشهد له الحديث المرسل الحسن عن عمرو بن جرير قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف قال:«هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم»
ومما روي في شأن الأعراف ما روي عن حذيفة فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال لهم: اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم.
ومن الأقوال فيهم ما رواه الحافظ بن عساكر عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم فقال: على الأعراف، وليسوا في الجنة مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فسألناه: وما الأعراف؟ فقال: حائط الجنة تجري فيه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار.
وأقوى الأقوال فيهم ما اعتمدناه ومما ذكره ابن كثير بمناسبة الكلام عن أهل الأعراف دون أن يذكر من أخرجه قال: وقال حذيفة: إن أصحاب الأعراف قوم تكافأت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى الله بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة. فأتوا آدم فقالوا: يا آدم، أنت أبونا، فاشفع لنا عند ربك، فقال: هل تعلمون أن أحدا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم. فيأتون إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم فيقول: هل تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا؟ هل تعلمون أن أحدا أحرقه قومه بالنار في الله غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنهه ما
أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى عليه السلام فيقول:
هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم. ولكن ائتوا عيسى، فيأتون عيسى عليه السلام فيقولون له: اشفع لنا عند ربك فيقول: هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا. فيقول: أنا حجيج نفسي، ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيأتوني، فأضرب بيدي على صدري. ثم أقول: أنالها، ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش فآتي ربي عز وجل فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم أسجد فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: ربي أمتي فيقول: هم لك. فلا يبقى نبي مرسل، ولا ملك مقرب، إلا غبطني بذلك المقام:
وهو المقام المحمود، فآتي بهم الجنة، فاستفتح فيفتح لي ولهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحيوان حافتاه قصب فكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة، وريح أهل الجنة فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها يقال لهم: مساكين أهل الجنة.»
قال الألوسي في قوله تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ (أي أعراف الحجاب أي أعاليه وهو السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الدابة والديك. وقيل:
العرف ما ارتفع من الشئ أي أعلى موضع منه لأنه أشرف وأعرف مما انخفض منه.
وقيل: ذاك جبل أحد.
فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم «أحد يحبنا ونحبه، وأنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار، يحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم، وهم- إن شاء الله تعالى- من أهل الجنة» وقيل:
هو الصراط. وروي ذلك عن الحسن بن المفضل. وحكي عن بعضهم أنه لم يفسر الأعراف بمكان وأنه قال: المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار «رجال» والحق أنه مكان، والرجال طائفة من الموحدين قصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربهم فقال لهم: قوموا ادخلوا الجنة فإني غفرت لكم، أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة. وفي رواية أخرى عنه «يجمع الله تعالى الناس ثم يقول لأصحاب