الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهناك أمور جعلت عدداً من جهابذة الْمُحَدِّثِيْنَ لا يأخذون عَنْ عدد كبير من الرُّوَاة هي أن هؤلاء الرُّوَاة كانوا يتشاغلون عَنْ الْحَدِيْث. والتشاغل عَنْ الْحَدِيْث مدعاة لعدم ضبط الْحَدِيْث وعدم إتقانه وربما كَانَ مآل ذَلِكَ إلى دخول بعض الوهم والعلل والاختلافات؛ لأن المذاكرة والمراجعة يعينان عَلَى ضبط الْحَدِيْث وإتقانه. والانشغال في بعض الأمور ربما يحول دون المذاكرة والمراجعة مِمَّا يؤدي إلى عدم ضبط الروايات. ومن تِلْكَ الأمور:
أ. ولاية القضاء:
إنّ ولاية القضاء من الأمور الدينية المهمة، والمجتمع الإسلامي بحاجة لازمة إلى هَذَا المنصب قَالَ تَعَالَى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} (1). ولمكانة هَذِهِ الوظيفة في الإسلام وأهميتها البالغة فالأمر يستدعي من القاضي توفيراً واسعاً لمزيدٍ من الوقت، وتهيئة جوٍّ ملائم للقضاء؛ لأن القضاء مسؤولية دينية ودنيوية، وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم:((مَنْ وُلِّيَ القَضَاءَ، أو جُعِلَ قاضِياً بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيرِ سِكِّين)) (2). إذن فهذه المسؤولية تستدعي تفرغاً وتفكُّراً ومراجعة، والحديث النبوي يحتاج كَذَلِكَ إِلَى تفرُّغٍ نِسبِيٍّ للمراجعة والمذاكرة من أجل الحِفَاظ عَلَى الضبط. وَقَدْ وجدنا حِيْنَ استقرأنا حال كَثِيْر من الرُّوَاة الَّذِيْنَ ولوا القضاء أنهم قَدْ خفّ ضبطهم لانشغالهم بهذا المنصب الوظيفي، ومن أولئك: شريك بن عَبْد الله النخعي الْقَاضِي، حدّد ابن حِبّان تَخليطه بَعْدَ عام خمسين ومئة حِيْنَ تولى قضاء الكُوفَةِ (3). وكذلك مُحَمَّد بن عَبْد الرحمان بن أبي ليلى (4) قَالَ أبو حاتم الرازي:((شغل بالقضاء فساء حفظه)) (5).
ب. الاشتغال بالفقه:
الفقه الإسلامي يمثل الشريعة الإسلامية الغراء وذلك لما احتواه من الأصول
(1) البقرة: 179.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (22977)، وأحمد 2/ 230 و 365، وأبو داود (3571)، وابن ماجه (2308)، والترمذي (1325)، والنسائي في الكبرى (5925)، والطبراني في الأوسط (2699) و (3669)، وفي الصغير (491)، وابن عدي في الكامل 1/ 361، والدارقطني 4/ 204، والحاكم 4/ 91، والبيهقي 10/ 96 من حَدِيْث أبي هُرَيْرَة. قَالَ الترمذي:((حسن غريب)).
(3)
ثقات ابن حبان 6/ 444، وانظر التعليق عَلَى الكاشف 1/ 485.
(4)
هُوَ أبو عَبْد الرحمان مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَان بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الْقَاضِي، ولد سُنَّة نيف وسبعين، وتوفي سنة (148 هـ): صدوق سيء الحفظ جداً.
وفيات الأعيان 4/ 179 - 181، وسير أعلام النبلاء 6/ 310 و 315، والتقريب (6081).
(5)
الجرح والتعديل 7/ 323 الترجمة (1739).
العظيمة الَّتِيْ تصلح لكل زمان ومكان، والفقه الإسلامي واسع في أصوله وفروعه. ومن يشتغل بهذا العلم العظيم يحتاج إلى خلفيات بعدة علوم. وهذا يستدعي وقتاً واسعاً وتفرغاً كبيراً، ومن كَانَ الفقه أكبر همه ربما قصَّر في ضبط بعض أحاديثه؛ لأن ذَلِكَ ربما شغله عَنْ مراجعة حديثه. وكثير من الَّذِيْنَ يشتغلون بعلم من العلوم ويستفرغون العمر في تخصصهم يَكُوْن ذَلِكَ مدعاة للتقصير بالعلوم الأخرى.
وَقَدْ وجدنا بعض جهابذة الْحَدِيْث تَكَلَّمَ في بعض الرُّوَاة لِقَصْرِ تهممهم (1) عَلَى الفقه، ومن أولئك حماد بن أبي سليمان (2) من كبار الفقهاء وشيخ أبي حَنِيْفَة النعمان (3) قَالَ عَنْهُ أبو إسحاق الشيباني (4):((ما رأيت أحداً أفقه من حماد)) (5). ومع هَذَا فَقَدْ نقل عَبْد الرحمان بن أبي حاتم (6) عَنْ أمير المؤمنين في الْحَدِيْث شعبة بن الحجاج قوله: ((كَانَ حماد - يعني: ابن أبي سليمان - لا يحفظ)). ثُمَّ عقّب ابن أَبِي حاتم عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ:
((يعني: إن الغالب عَلَيْهِ الفقه وإنه لَمْ يرزق حفظ الآثار)) (7). وَقَالَ أبو حاتم: ((هُوَ صدوق ولا يحتج بحديثه، هُوَ مستقيم في الفقه، وإذا جاء الآثار شوّش)) (8).
ومن هنا وضع علماء الجرح والتعديل قواعد في أنّ الفقهاء غَيْر الْمُحَدِّثِيْنَ يغلب
(1) التهمم: الطلب، يقال: ذهبت اتهممه، أي: أطلبه، وتهمّم الشيء: طلبه، أَوْ الاهتمام والعناية، يقال: اهتم الرجل بالأمر: عني بالقيام بِهِ. انظر: لسان العرب 12/ 622، والمعجم الوسيط: 995، وحاشية محاسن الاصطلاح:578.
(2)
هُوَ الإمام حماد بن أبي سليمان، فقيه العراق، أبو إسماعيل بن مُسْلِم الكوفي مولى الأشعريين: صدوق لَهُ أوهام، توفي سنة (120 هـ).
انظر: طبقات ابن سعد 6/ 332، والتاريخ الكبير 3/ 18، وسير أعلام النبلاء 5/ 231.
(3)
هُوَ الإمام فقيه الملة، عالم العراق، النعمان بن ثابت التيمي الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة، قَالَ يحيى ابن معين: كَانَ أبو حَنِيْفَة ثقة في الْحَدِيْث، ولد سنة (80 هـ)، وتوفي سنة (150 هـ).
تاريخ بغداد 13/ 323، وتهذيب الكمال 7/ 339 (7034)، وسير أعلام النبلاء 6/ 390.
(4)
هُوَ سليمان بن أبي سليمان، فيروز، ويقال خاقان، أبو إسحاق، مولى بني شيبان، قَالَ أبو حاتم: هُوَ شيخ ضعيف، واختلف في سنة وفاته فقيل:(129 هـ) وَقِيْلَ: (138 هـ) وَقِيْلَ: (139 هـ).
الجرح والتعديل 4/ 122، وتذكرة الحفاظ 1/ 153، وشذرات الذهب 1/ 207.
(5)
الجرح والتعديل 3/ 149 الترجمة (642).
(6)
هُوَ العلامة الحافظ عَبْد الرحمان بن أبي حاتم، أبو مُحَمَّد، لَهُ مصنفات مِنْهَا:" المسند " و " العلل "، ولد سنة (240 هـ)، وتوفي سنة (327 هـ).
تذكرة الحفاظ 3/ 829، وميزان الاعتدال 2/ 587، وسير أعلام النبلاء 13/ 263،وشذرات الذهب 2/ 308.
(7)
الجرح والتعديل 3/ 147.
(8)
الجرح والتعديل 3/ 147 - 148.