الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رواته)) (1).
وما ذكرته هُوَ الأصل في حكم الحَدِيْث المضطرب؛ لَكِنْ هَذَا لا يعني أن الاضطراب والصِّحَّة لا يجتمعان أبداً؛ بَلْ قَدْ يجتمعان، قَالَ الحافظ ابن حجر:((إنَّ الاختلاف في الإسناد إذا كَانَ بَيْنَ ثقات متساوين، وتعذر الترجيح، فَهُوَ في الحقيقة لا يضر في قبول الحَدِيْث والحكم بصحته، لأَنَّهُ عن ثِقَة في الجملة. ولكن يضر ذَلِكَ في الأصحية عِنْدَ التعارض -مثلاً-. فحديث لَمْ يختلف فِيهِ عَلَى راويه (2) -أصلاً- أصح من حَدِيث اختلف فِيهِ في الجملة، وإن كَانَ ذَلِكَ الاختلاف في نَفْسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح)) (3).
وَقَدْ شرح السيوطي كلام الحافظ ابن حجر فَقَالَ: ((وقع في كلام شيخ الإسلام السابق: أن الاضطراب قَدْ يجامع الصِّحَّة؛ وَذَلِكَ بأن يقع الاختلاف في اسم رَجُل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذَلِكَ، ويكون ثِقَة. فيحكم للحديث بالصحة ولايضر الاختلاف فِيْمَا ذَكَرَ مَعَ تسميته مضطرباً، وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ أحاديث كثيرة بهذه المثابة؛ وكذا جزم الزَّرْكَشِيّ بِذَلِكَ في مختصره، فَقَالَ: قَدْ يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قِسْم الصَّحِيح والحَسَن)) (4).
المطلب الرابع
أين يقع الاضطراب
؟
يقع الاضطراب في متن الحَدِيْث، ويقع في الإسناد وَقَدْ يقع ذَلِكَ من راوٍ واحدٍ وَقَدْ يقع بَيْنَ رواة لَهُ جَمَاعَة (5).
وَقَدْ وجدت أحسن من فصل ذَلِكَ الحافظ العلائي فِيْمَا نقله عَنْهُ الحافظ ابن حجر فَقَدْ قَالَ: ((الاختلاف تارة في السَّنَد، وتارة في المَتْن.
فالذي في السَّنَد يتنوع أنواعاً:
أحدها: تعارض الوَصْل والإرسال.
ثانيها: تعارض الوقف والرفع.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 245 ط العلمية، و 1/ 293 طبعتنا.
(2)
تحرفت في المطبوع من النكت إلى: ((رِوَايَة))، والتصويب من توضيح الأفكار 2/ 47.
(3)
النكت عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح 2/ 810.
(4)
تدريب الرَّاوِي 2/ 27.
(5)
مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث: 79 و193طبعتنا.
ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع.
رابعها: أن يَرْوِي الحَدِيْث قوم -مثلاً- عن رَجُلٍ عن تابعي عن صَحَابِيّ، ويرويه غيرهم عن ذَلِكَ الرجل عن تابعي آخر عن الصَّحَابيّ بعينه.
خامسها: زيادة رجلٍ في أحد الإسنادين.
سادسها: الاختلاف في اسم الرَّاوِي ونسبه، إذا كَانَ متردداً بَيْنَ ثِقَة وضعيف)) (1).
ثُمَّ تكلم رحمه الله عن مَسالِك العُلَمَاء واختلافهم في كيفية التعامل مَعَ هذِهِ الأنواع فَقَالَ: ((وإن المختلفين إما أن يَكُونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم لا. فالمتماثلون إما أن يَكُون عددهم من الجانبين سَوَاء أم لا، فإن استوى عددهم مَعَ استواء أوصافهم وجب التوقف حَتَّى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لَهَا.
ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وَلَا ضابط لَهَا بالنسبة إلى جَمِيْع الأحاديث، بَلْ كُلّ حَدِيث يقوم بِهِ ترجيح خاص لا يخفى عَلَى الممارس الفطن الَّذِي أكثر من جمع الطرق؛ ولأجل هَذَا كَانَ مجال النظر في هَذَا أكثر من غيره. وإن كَانَ أحد المتماثلين أكثر عدداً فالحكم لَهُمْ عَلَى قَوْل الأكثر.
وَقَدْ ذهب قوم إلى تعليله -وإن كَانَ من وصل أو رفع أكثر- وَالصَّحِيح خِلَاف ذَلِكَ.
وأما غَيْر المتماثلين، فإما أن يتساووا في الثِّقَة أو لا، فإن تساووا في الثِّقَة، فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم لَهُ، وَلَا يلتفت إلى تعليل من علله بِذَلِكَ -أيضاً-[و](2) إن كَانَ العكس، فالحكم للمرسل والواقف. وإن لَمْ يتساووا في الثِّقَة فالحكم للثقة، وَلَا يلتفت إلى تعليل من علله برواية غَيْر الثِّقَة إذا خالف)) (3).
ثُمَّ قَالَ: ((هذِهِ جملة تقسيم الاختلاف، وبقي إذا كَانَ رِجَال أحد الإسنادين أحفظ ورجال الآخر أكثر. فَقَدْ اختلف المتقدمون فِيهِ: فمنهم من يرى قَوْل الأحفظ أولى لإتقانه وضبطه. ومنهم من يرى قَوْل الأكثر أولى لبعدهم عن الوهم)) (4).
ثُمَّ قَالَ - بَعْدَ أن علل لما سبق -: ((وأما النَّوع الرابع: وهُوَ الاختلاف في السَّنَد فَلَا يخلو: إما أن يَكُون الرجلان ثقتين أم لا. فإن كانا ثقتين فَلَا يضر الاختلاف عِنْدَ
(1) النكت عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح: 777 - 778.
(2)
زيادة ضرورية لاستقامة النص.
(3)
النكت عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح لابن حجر 2/ 778 - 779.
(4)
المصدر نفسه 2/ 779.
الأكثر، لقيام الحجة بكل مِنْهما، فكيفما دار الإسناد كَانَ عن ثقة، وربما احتمل أن يَكُون الرَّاوِي سمعه مِنْهُمَا جميعاً، وَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ في كَثِيْر من الحَدِيْث، لَكِنْ ذَلِكَ يقوى حَيْثُ يَكُون الرَّاوِي مِمَّنْ لَهُ اعتناء بالطلب وتكثير الطرق)) (1).
ثُمَّ قَالَ: ((وأما مَا ذهب إليه كَثِيْر من أهلِ الحَدِيْث من أن الاختلاف دليل عَلَى عدم ضبطه في الجملة فيضر ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ رواته ثقات إلا أن يقوم دليل عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الرَّاوِي المختلف عَلَيْهِ عَنْهُمَا جميعاً أو بالطريقتين جميعاً؛ فَهُوَ رأي فِيهِ ضعف، لأَنَّهُ كيفما دار كَانَ عَلَى ثِقَة، وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ من ذَلِكَ جملة أحاديث، لَكِنْ لابُدَّ في الحكم بصحة ذَلِكَ سلامته من أن يَكُون غلطاً أو شاذاً.
وأما إذا كَانَ أحد الراويين المختلف فِيْهِمَا ضعيفاً لا يحتج بِهِ فههنا مجالٌ للنظر، وتكون تِلْكَ الطَّرِيق الَّتِي سمي ذَلِكَ الضَّعِيف فِيْهَا، وجعل الحَدِيْث عَنْهُ كالوقف أو الإرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى، فكل ما ذكر هناك من الترجيحات يجيء هنا.
ويمكن أنْ يقال -في مِثْل هَذَا- يحتمل أن يَكُون الرَّاوِي إذا كَانَ مكثراً قَدْ سمعه مِنْهُمَا -أيضاً- كَمَا تقدم.
فإن قِيلَ: إذا كَانَ الحَدِيْث عنده عن الثِّقَة، فَلِمَ يرويه عن الضَّعِيف؟
فالجواب: يحتمل أَنَّهُ لَمْ يطلع عَلَى ضعف شيخه أو اطلع (2) عَلَيْهِ، ولكن ذكره اعتماداً عَلَى صِحَّة الحَدِيْث عنده من الجهة الأخرى.
وأما النَّوع الخامس: وَهُوَ زيادة الرجل بَيْنَ الرجلين في السند فسيأتي تفصيله في النَّوع السابع والثلاثين - إن شاء الله - فَهُوَ في مكانه (3).
وأما النَّوع السادس: وَهُوَ الاختلاف في اسم الرَّاوِي ونسبه فَهُوَ عَلَى أقسام أربعة:
القسم الأول: أن يبهم في طريق وَيُسَمَّى في أخرى، فالظاهر أن هَذَا لا تعارض فِيهِ؛ لأَنَّهُ يَكُون المُبْهَم في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ المعين في الأخرى، وعلى تقدير أن يَكُون غيره، فَلَا تضر رِوَايَة من سماه وعرفه -إذا كَانَ ثِقَة- رواية من أبهمه.
القِسْم الثَّانِي: أن يَكُون الاختلاف في العبارة فَقَطْ، والمَعْنَى بِهَا في الكل واحد، فإنَّ مِثْل هَذَا لا يعد اختلافاً -أيضاً- ولا يضر إذا كَانَ الرَّاوِي ثِقَة.
(1) المصدر السابق 2/ 782 - 783.
(2)
في المطبوع (طلع)، ولعل الصَّوَاب مَا أثبت.
(3)
الكلام لابن حجر، وهذا النَّوْع هُوَ (مَعْرِفَة المزيد في متصل الأسانيد) وَلَمْ يقدر للحافظ أن يصل إِلَى هَذَا النَّوْع في نكته.