الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن لَمْ يهتدِ إِلَى وجه الجمع، فإن علم تاريخ المتقدم من المتأخر قِيْلَ بالنسخ، فإن عدم أيضاً صير إِلَى الترجيح بوجه من وجوهه المعتبرة (1).
ثُمَّ إن هَذَا التعارض إنما يَكُوْن متجهاً فِيْمَا إذا تساوى الدليلان من حَيْثُ القوة، أما إذا كَانَ أحدهما صحيحاً والآخر ضعيفاً، فَلَا اعتبار بمخالفة الضعيف، إذ الضعيف غَيْر معتبر في نفسه، فكيف تستقيم معارضته لما هُوَ أقوى مِنْهُ؟
وَقَد اختلفت مناهج الفقهاء والمدارس الفقهية في سلوك مسالك دفع التعارض بَيْنَ الأدلة الشرعية المتكافئة المتعارضة من حَيْثُ الظاهر، فمنهم من يتبين لَهُ وجه جمع بينها، ومنهم من قَد يرى في الجمع تكلفاً فيلجأ إِلَى القول بالنسخ
…
وهكذا، مِمَّا أدّى إِلَى ظهور خلاف بَيْنَ الفقهاء في استنباط الأحكام الَّتِي دلّت عَلَيْهَا تِلْكَ الأدلة، ويتضح ذَلِكَ من الأمثلة الآتية:
النموذج الأول:
مَن يثبت لَهُ حقّ الشفعة:
اختلف الفقهاء فيمن يثبت لَهُ حق الشفعة عَلَى مذهبين:
المذهب الأول: تثبت الشفعة بالخلطة، أي: أن الَّذِي يستحق الشفعة هُوَ الشريك الَّذِي لا تزال شركته قائمة، وَهُوَ المسمى: الشريك في عين المبيع فَقَطْ.
وبهذا قَالَ جمهور الْفقهاء، روي هَذَا عن عمر وعثمان (2) وعلي وابن عَبَّاسٍ وجابر وعمر بن عَبْد العزيز وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عَبْد الرَّحْمَان وأبي الزناد والمغيرة بن عَبْد الرَّحْمَان (3) والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر (4).
(1) نزهة النظر: 103 فما بعدها.
(2)
عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين، أحد الخلفاء الأربعة والعشرة المبشرة، استشهد سنة (35 هـ).
معجم الصَّحَابَة 11/ 3945، وتهذيب الكمال 5/ 126 (4436)، والتقريب (4503).
(3)
المغيرة بن عَبْد الرَّحْمَان بن عَبْد الله القرشي، أبو هاشم: ثقة لَهُ غرائب، توفي في حدود سنة (180هـ).
انظر: تهذيب الكمال 7/ 199 (6732)، وسير أعلام النبلاء 8/ 166 و 167، والتقريب (6845).
(4)
الجامع الكبير 3/ 47 عقب (1370)، والإشراف عَلَى مذاهب أهل العِلْم 2/ 5، والتهذيب 4/ 337، والمغني 5/ 461.
وإليه ذهب المالكية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3) والإمامية (4).
وهناك من أثبت حق الشفعة - إضافة للشريك في عين المبيع - للشريك في حق المبيع.
وَهُوَ رِوَايَة عن الإمام أحمد (5)، واختارها ابن تيمية (6) وابن القيم (7) من الحنابلة (8)، وبنحوه قَالَ ابن حزم (9)؛ إلا أنَّهُ لَمْ يجعلها للشريك في حق المبيع مطلقاً، وإنما خصّها بكونه شريكاً في الطريق فَقَطْ.
المذهب الثاني: أثبتوا حقّ الشفعة للجار والشريك عَلَى تفاصيل لَهُمْ في تعيين من هُوَ أولى بِهَا.
وبهذا قَالَ: ابن شبرمة والثوري وابن المبارك وابن أبي ليلى (10).
وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ وأصحابه (11). وبنحوه قَالَ الزيدية (12).
واستدل أصحاب المذهب الثاني بِمَا رَوَاهُ عَبْد الملك بن أبي سليمان
(1) بداية المجتهد 2/ 194، والقوانين الفقهية: 283، وشرح الزرقاني عَلَى الموطأ 3/ 378، وشرح الدردير مَعَ حاشية الدسوقي 3/ 474، وشرح منح الجليل 3/ 583.
(2)
الحاوي الكبير 9/ 5، والمهذب 1/ 383، والتهذيب 4/ 337، وروضة الطالبين 5/ 72، وشرح المنهج مَعَ حاشية الجمل 3/ 498، وكفاية الأخيار 1/ 562، ومغني المحتاج 2/ 297.
(3)
المغني 5/ 461، والمقنع: 151، وكشاف القناع 4/ 149.
(4)
من لا يحضره الفقيه 3/ 46، وتهذيب الأحكام 7/ 149 - 150.
(5)
الهداية للكلوذاني: ورقة 102/ب.
(6)
شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عَبْد الحليم بن عَبْد السلام بن عَبْد الله بن تيمية الحراني، صاحب التصانيف مِنْهَا:" الفتاوى الكبرى "، ولد سنة (661 هـ)، وتوفي سنة (728 هـ).
مرآة الجنان 4/ 209، وطبقات الحفاظ: 520، والمنهج الأحمد 3/ 154.
(7)
هُوَ شمس الدين مُحَمَّد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثُمَّ الدمشقي أبو عَبْد الله ابن القيم الجوزية، الفقيه الأصولي النحوي المفسر، صاحب المصنفات مِنْهَا:" تهذيب سنن أبي داود " و " إعلام الموقعين "، ولد سنة (691 هـ)، وتوفي سنة (751 هـ).
الدرر الكامنة 3/ 400 و 403، والمنهج الأحمد 3/ 204 و 205 و 206، وشذرات الذهب 6/ 168.
(8)
إعلام الموقعين 2/ 122، ومسائل من الفقه المقارن 2/ 27.
(9)
المحلى 9/ 92.
(10)
حلية العلماء 5/ 266، والمغني 5/ 461.
(11)
المبسوط 14/ 92، وبدائع الصنائع 5/ 10، وشرح فتح القدير 7/ 406، وتبيين الحقائق 5/ 240، وحاشية رد المحتار 6/ 221.
(12)
السيل الجرار 3/ 171، والبحر الزخار 5/ 6، وانظر: الاستذكار 6/ 70 وما بعدها.
العرزمي (1)، عن عطاء، عن جابر، مرفوعاً:((الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بِهَا، وإن كَانَ غائباً، إذا كَانَ طريقهما واحداً)).
رَوَاهُ الطيالسي (2) وعبد الرزاق (3) وابن أبي شيبة (4) وأحمد (5) والدارمي (6) وأبو داود (7) وابن ماجه (8) والترمذي (9) وفي العلل الكبير (10) والنسائي (11) والطحاوي (12) والطبراني (13) البيهقي (14) وابن عَبْد البر (15).
واستدل أصحاب المذهب الأول بِمَا رواه أبو سلمة بن عَبْد الرَّحْمَان، عن جابر مرفوعاً:((الشفعة فِيْمَا لَمْ يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فَلَا شفعة)).
رَوَاهُ الشافعي (16) والطيالسي (17) وعبد الرزاق (18) وأحمد (19) وعبد بن حميد (20) والبخاري (21) وأبو داود (22) وابن ماجه (23) والترمذي (24) وابن الجارود (25) والدولابي (26)
(1) الإمام أَبُو مُحَمَّد عَبْد الملك بن أَبِي سليمان العَرْزَمي الكوفي: صدوق لَهُ أوهام، توفي سنة (145 هـ).
تهذيب الكمال 4/ 555 و 557 (4120)، وسير أعلام النبلاء 6/ 107 و 109، والتقريب (4184).
(2)
في مسنده (1677).
(3)
في مصنفه (14396).
(4)
في مصنفه (22713).
(5)
في مسنده 3/ 303.
(6)
في سننه (2630).
(7)
في سننه (3518).
(8)
في سننه (2494).
(9)
في جامعه (1369).
(10)
(386).
(11)
في الكبرى، كَمَا في تحفة الأشراف (2434)، وَقَدْ أحال عَلَيْهِ في موضعين، وَلَمْ أقف عَلَيْهِمَا في المطبوع من الكبرى.
(12)
في شرح المعاني 4/ 120 و 121.
(13)
في الأوسط (5456).
(14)
في سننه 6/ 106.
(15)
في التمهيد 7/ 47.
(16)
في مسنده (1490) بتحقيقنا.
(17)
في مسنده (1691).
(18)
في مصنفه (14391).
(19)
في مسنده 3/ 296 و 372 و 399.
(20)
في المنتخب (1080).
(21)
في صحيحه 3/ 104 (2213) و (2214)، و 3/ 114 (2257)، و 3/ 183 (2495) و (2496)، و 9/ 35 (6976).
(22)
في سننه (3514).
(23)
في سننه (2499).
(24)
في جامعه (1370).
(25)
في المنتقى (643).
(26)
الإمام الحَافِظ أبو بشر مُحَمَّد بن أحمد بن حماد الدولابي، ولد سنة (224 هـ)، وَكَانَ حسن التصانيف ومن مصنفاته:" الكنى والأسماء "، مات سنة (310 هـ).
تذكرة الحفاظ 2/ 759 و 760، وسير أعلام النبلاء 14/ 309 - 310، والأعلام 5/ 308.والحديث أخرجه في الكنى 2/ 150