الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النَّوع الثَّانِي: تعارض الوقف والرفع
الوقف: مَصْدَر للفعل وقف وَهُوَ مَصْدَر بمعنى المفعول، أي مَوْقُوْف (1).
والمَوْقُوْف: هُوَ مَا يروى عن الصَّحَابَة رضي الله عنهم من أقوالهم، أو أفعالهم ونحوها فيوقف عَلَيْهِمْ وَلَا يتجاوز بِهِ إلى رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم. (2)
والرَّفْع: مَصْدَر للفعل رَفَعَ، وَهُوَ مَصْدَر بمعنى المفعول، أي: مَرْفُوْع (3)، والمَرْفُوْع: هُوَ مَا أضيف إلى رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم خَاصَّة (4).
والاختلاف في بَعْض الأحاديث رفعاً ووقفاً أمرٌ طبيعي، وجد في كثيرٍ من الأحاديث، والحَدِيْث الواحد الَّذِي يختلف بِهِ هكذا محل نظر عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، وَهُوَ أن المُحَدِّثِيْنَ إذا وجدوا حديثاً روي مرفوعاً إلى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ نجد الحَدِيْث عينه قَدْ روي
=
له (581)(578)(579)(1163) و (1164) و (1165) و (1167) و (1177)، وابن الجارود (244)، وابن خزيمة (1028) و (1055) و (1056) و (1057)، وأَبُو عوانة 2/ 200 و201 - 202، والطحاوي في شرح المعاني 1/ 434، والشاشي (304) و (306) و (307)، وابن حبان (2656) و (2658) و (2659) و (2661) و (2662) و (2682)، والطبراني في الكبير (9825) و (9826) و (9827) و (9829) و (9830) و (9832) و (9847)، والدَّارَقُطْنِيّ 1/ 375 و376 و377، والبَيْهَقِيّ 2/ 14 - 15 و330 و335 - 336و 343، وأبو نُعَيْم في الحلية 4/ 233.
(1)
انظر: لسان العرب 9/ 360 (وقف).
(2)
انظر في الموقوف:
مَعْرِفَة علوم الحَدِيْث:19، والكفاية (58 ت، 21هـ)، والتمهيد 1/ 25، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: 41 - 42،و117 طبعتنا، والإرشاد 1/ 158، والتقريب: 51، 95 طبعتنا، والاقتراح 194، والمنهل الروي:40،والخلاصة:64،والموقظة: 41، واختصار علوم الحَدِيْث: 45، والمقنع 1/ 114، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 123،و1/ 184 طبعتنا، ونزهة النظر:154،والمختصر: 145،وفتح المغيث 1/ 103، وألفية السيوطي 21، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي 146، وفتح الباقي 1/ 123، 1/ 177 طبعتنا، وتوضيح الأفكار 1/ 261، وظفر الأماني: 325، وقواعد التحديث:130.
(3)
انظر: مقاييس اللغة 2/ 423، مادة (رفع).
(4)
انظر: في المَرْفُوْع:
الكفاية (58ت، 21هـ)، والتمهيد 1/ 25، ومعرفة أنواع علم الحَدِيْث: 117 طبعتنا وإرشاد طلاب الحقائق 1/ 157، والتقريب 50، و 94 طبعتنا، والاقتراح: 195، والمنهل الروي: 40، والخلاصة:46، والموقظة: 41، واختصار علوم الحَدِيْث: 45، والمقنع 1/ 113، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 116، و1/ 181 طبعتنا، ونزهة النظر: 140، والمختصر: 119، وفتح المغيث 1/ 98، وألفية السيوطي: 21، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: 143، وفتح الباقي 1/ 116، و1/ 171 طبعتنا، وتوضيح الأفكار 1/ 254، وظفر الأماني: 227، وقواعد التحديث 123.
عن الصَّحَابيّ نفسه موقوفاً عَلَيْهِ، فهنا يقف النقاد أزاء ذَلِكَ؛ لاحتمال كون المَرْفُوْع خطأً
من بَعْض الرواة والصَّوَاب الوقف، أو لاحتمال كون الوقف خطأ والصَّوَاب الرفع؛ إذ إن الرفع علة للموقوف والوقف علة للمرفوع. فإذا حصل مِثْل هَذَا في حَدِيث ما، فإنه يَكُون محل نظر وخلاف عِنْدَ العُلَمَاء وخلاصة أقوالهم فِيْمَا يأتي:
إذا كَانَ السَّنَد نظيفاً خالياً من بقية العلل؛ فإنّ للعلماء فِيهِ الأقوال الآتية:
القَوْل الأول: يحكم للحديث بالرفع
لأن راويه مثبت وغيره ساكت، وَلَوْ كَانَ نافياً فالمثبت مقدم عَلَى النافي؛ لأَنَّهُ علم ما خفي، وَقَدْ عدوا ذَلِكَ أيضاً من قبيل زيادة الثِّقَة، وَهُوَ قَوْل كَثِيْر من المُحَدِّثِيْنَ، وَهُوَ قَوْل أكثر أهل الفقه والأصول (1)، قَالَ العراقي:((الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أن الرَّاوِي إذا رَوَى الحَدِيْث مرفوعاً وموقوفاً فالحكم للرفع، لأن مَعَهُ في حالة الرفع زيادة، هَذَا هُوَ المرجح عِنْدَ أهل الحَدِيْث)) (2).
القَوْل الثَّانِي: الحكم للوقف (3).
القَوْل الثَّالِث: التفصيل
فالرفع زيادة، والزيادة من الثِّقَة مقبولة، إلا أن يوقفه الأكثر ويرفعه واحد، لظاهر غلطه (4).
والترجيح برواية الأكثر هُوَ الذي عَلَيْهِ العَمَل عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ؛ لأن رِوَايَة الجمع إذا كانوا ثقات أتقن وأحسن وأصح وأقرب للصواب؛ لذا قَالَ ابن المبارك: ((الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثةٌ: مَالِك ومعمر وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان عَلَى قولٍ أخذنا بِهِ، وتركنا قَوْل الآخر)) (5).
قَالَ العلائي: ((إن الجماعة إذا اختلفوا في إسناد حَدِيث كَانَ القَوْل فِيْهِمْ للأكثر عدداً أو للأحفظ والأتقن
…
ويترجح هَذَا أيضاً من جهة المَعْنَى، بأن مدار قبول خبر
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 177، و 1/ 233 طبعتنا، ومقدمة جامع الأصول 1/ 170، وفتح المغيث 1/ 194، والمحصول 2/ 229 - 230، والكفاية (588ت-417هـ)، شرح ألفية السيوطي 29.
(2)
فتح المغيث 1/ 168 ط عَبْد الرحمان مُحَمَّد عُثْمَان، و 1/ 195 ط عويضة.
(3)
مقدمة جامع الأصول 1/ 170، فتح المغيث 1/ 194، شرح ألفية السيوطي:29.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 179، 1/ 233 طبعتنا، وفتح المغيث 1/ 195، وشرح ألفية السيوطي:29.
(5)
نقله عَنْهُ النَّسَائِيّ في السُّنَن الكبرى 1/ 632 عقيب (2072)، ونقله عَنْهُ العلائي في نظم الفرائد:367 بلفظ: ((حُفَّاظ علم الزُّهْرِيّ ثلاثة: مَالِك ومعمر وابن عيينة، فإذا اختلفوا أخذنا بقول رجلين مِنْهُمْ)).
الواحد عَلَى غلبة الظن، وعند الاختلاف فِيْمَا هُوَ مقتضى لصحة الحَدِيْث أو لتعليله، يرجع إلى قَوْل الأكثر عدداً لبعدهم عن الغلط والسهو، وَذَلِكَ عِنْدَ التساوي في الحفظ والإتقان. فإن تفارقوا واستوى العدد فإلى قَوْل الأحفظ والأكثر إتقاناً، وهذه قاعدة متفق عَلَى العَمَل بِهَا عِنْدَ أهل الحَدِيْث)) (1).
القَوْل الرابع: يحمل المَوْقُوْف عَلَى مَذْهَب الرَّاوِي، والمُسْنَد عَلَى أَنَّهُ روايته فَلَا تعارض (2). وَقَدْ رجح الإمام النَّوَوِيّ من هذِهِ الأقوال القَوْل الأول (3)، ومشى عَلَيْهِ في تصانيفه، وأكثر من القَوْل بِهِ.
والذي ظهر لي - من صنيع جهابذة المُحَدِّثِيْنَ ونقادهم -: أنهم لا يحكمون عَلَى الحَدِيْث الَّذِي اختلف فِيهِ عَلَى هَذَا النحو أول وهلة، بَلْ يوازنون ويقارنون ثُمَّ يحكمون عَلَى الحَدِيْث بما يليق بِهِ، فَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة المرفوعة، وَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة الموقوفة، عَلَى حسب المرجحات والقرائن المحيطة بالروايات؛ فعلى هَذَا فإن حكم المُحَدِّثِيْنَ في مِثْل هَذَا لا يندرج تَحْتَ قاعدة كلية مطردة تقع تحتها جَمِيْع الأحاديث؛ لِذلِكَ فإن مَا أطلق الإمام النَّوَوِيّ ترجيحه يمكن أن يَكُون مقيداً عَلَى النحو الآتي:
الحكم للرفع - لأن راويه مثبت وغيره ساكت، وَلَوْ كَانَ نافياً فالمثبت مقدم عَلَى النافي؛ لأَنَّهُ علم مَا خفي -، إلا إذَا قام لدى الناقد دليل أو ظهرت قرائن يترجح معها الوقف.
وسأسوق أمثلة لأحاديث اختلف في رفعها ووقفها متفرعة عَلَى حسب ترجيحات المُحَدِّثِيْنَ.
فمثال مَا اختلف في رفعه ووقفه وكانت كلتا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيْحَة:
حَدِيث عَلِيٍّ رضي الله عنه: ((ينضح من بول الغلام، ويغسل بول الجارية)). قَالَ الإمام
التِّرْمِذِي: ((رفع هشام الدستوائي هَذَا الحَدِيْث عن قتادة وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وَلَمْ يرفعه)) (4).
وَقَالَ الحافظ ابن حجر: ((إسناده صَحِيْح إلا أَنَّهُ اختلف في رفعه ووقفه، وَفِي
(1) نظم الفرائد: 367.
(2)
فتح المغيث 1/ 168 ط عَبْد الرحمان مُحَمَّد، و 1/ 195 ط عويضة.
(3)
مقدمة شرح النَّوَوِيّ عَلَى صَحِيْح مُسْلِم 1/ 25، والتقريب: 62 - 63، و 107 - 108 طبعتنا، والإرشاد 1/ 202.
(4)
جامع التِّرْمِذِي عقب حَدِيث (610).
وصله وإرساله، وَقَدْ رجح البُخَارِيّ صحته وكذا الدَّارَقُطْنِيّ)) (1).
والرواية المرفوعة: رواها معاذ بن هشام (2)، قَالَ: حَدَّثَني أبي (3)، عن قتادة (4)، عن أبي حرب بن أبي الأسود (5)، عن أبيه (6)، عن عَلِيّ بن أبي طالب، مرفوعاً (7).
قَالَ البزار: ((هَذَا الحَدِيْث لا نعلمه يروى عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، إلا من هَذَا الوجه بهذا الإسناد، وإنما أسنده معاذ بن هشام، عن أبيه، وَقَدْ رَواهُ غَيْر معاذ بن هشام، عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن عَلِيّ، موقوفاً)) (8).
أقول: إطلاق البزار في حكمه عَلَى تفرد معاذ بن هشام بالرفع غَيْر صَحِيْح إِذْ إن معاذاً قَدْ توبع عَلَى ذَلِكَ تابعه عَبْد الصمد بن عَبْد الوارث (9) عِنْدَ أحمد (10)، والدارقطني (11)، لذا فإن قَوْل الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ أدق حِيْنَ قَالَ: ((يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، رفعه هشام بن أبي عَبْد الله من رِوَايَة ابنه معاذ
(1) التلخيص الحبير طبعة العلمية 1/ 187، وطبعة شعبان 1/ 50.
(2)
هُوَ معاذ بن هشام بن أبي عَبْد الله الدستوائي، البصري، وَقَدْ سكن اليمن، (صدوق رُبَّمَا وهم)، مات سنة مئتين، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة. التقريب (6742).
(3)
هُوَ هشام بن أبي عَبْد الله: سَنْبَر - بمهملة ثُمَّ نون موحدة، وزن جَعْفَر -، أبو بَكْر البصري الدستوائي، (ثِقَة، ثبت)، مات سنة مئة وأربع وخمسين، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة. الطبقات لابن سعد 7/ 279 - 280، وتذكرة الحفاظ 1/ 164، والتقريب (7299).
(4)
هُوَ قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، (ثِقَة، ثبت)، مات كهلاً سنة (118 هـ)، وَقِيلَ:(117 هـ)، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة. الكاشف 2/ 134 (4551).
(5)
هُوَ أبو حرب بن أبي الأسود الديلي، البصري، (ثِقَة)، قِيلَ: اسمه محجن، وَقِيلَ: عطاء، مات سنة ثمان ومئة، أخرج حديثه مُسْلِم وأصحاب السُّنَن الأربعة. التقريب (8042).
(6)
هُوَ أَبُو الأسود الديلي - بكسر المُهْمَلَة وسكون التحتانية -، ويقال: الدؤلي 0 بالضم بعدها همزة مفتوحة -، البصري، اسمه: ظالم بن عَمْرو بن سُفْيَان، ويقال: عَمْرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فِيْهِمَا، ويقال: عَمْرو بن عُثْمَان، أو عُثْمَان بن عَمْرو:(ثِقَة، فاضل، مخضرم)، مات سنة تسع وستين، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة. التقريب (7940).
(7)
هذِهِ الرِّوَايَة أخرجها: أحمد 1/ 97 و 137، وأبو دَاوُد (378)، وابن ماجه (525)، والترمذي (610)، وَفِي علله الكبير (38)، والبزار (717)، وأبو يعلى (307)، وابن خزيمة (284)، والطحاوي في شرح المعاني 1/ 92، وابن حبان (1372)، وطبعة الرسالة (1375)، والدارقطني 1/ 129، والحاكم 1/ 165 - 166، والبيهقي 2/ 415، والبغوي (296).
(8)
البحر الزخار 2/ 295.
(9)
هو أبو سهل التميمي العنبري عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، توفي سنة (207 هـ).
الطبقات الكبرى 7/ 300، وسير أعلام النبلاء 9/ 516، وشذرات الذهب 2/ 17.
(10)
المُسْنَد 1/ 76.
(11)
السُّنَن 1/ 129؟