الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمات
المقدمة
…
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
…
وبعد،،،
فإن أشرف الأعمال وأجلها هو الدعوة إلى الله تعالى، ففيها عظمة الموضوع، وسمو الوسيلة، ونبل العمل، ورقي الغاية، وذلك أمر أكده الله تعالى بقوله سبحانه:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 1.
وقد خص الله سبحانه وتعالى رسله الكرام ابتداء بهذا الشرف، وكلفهم به وبعثهم بوحي منه يبلغونه للناس، قال تعالى:{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} 2.
وقال سبحانه لكل منهم: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} 3.
وعلى مدار التاريخ من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم قام الرسل بواجبهم هذا، وحملوا أمانة الدعوة بكل صدق وإخلاص، وتركوا سيرة مثالية تعد أسوة لكل من يرجو الله واليوم الآخر، وكان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل والأنبياء، ختم بدعوته سائر دعوات الله، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وترك للبشر كل ما ينفعهم، وكل ما يحتاجون إليه، بالنسبة للدعوة وغيرها.
عرف بوجوب القيام بالدعوة إلى الله تعالى، وألزم الأمة المسلمة به، حيث أخبرهم بقوله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 4.
1 سورة فصلت آية: 33.
2 سورة النساء من آية: 165.
3 سورة المائدة آية: 67.
4 سورة آل عمران آية: 104.
وكما عرفهم بحكم تبليغ الدعوة، فصل لهم طريقة الدعوة، وأسلوبها، ومنهج إيصالها إلى عقول الناس وقلوبهم، وكيفية توجيه الخطاب
…
ووضح لهم ذلك بطرق شتى، فمرة يوجههم نحو المنهج مباشرة، ويقرأ لهم قوله تعالى:
- {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 2، وبهذا يقوم منهج الدعوة على الإيجاز، والدقة، والرمز، وهو المراد بالحكمة، كما يقوم على التفصيل، والتحليل، والإثارة، وهو المقصود بالموعظة الحسنة، كما يراعي المنهج شخصية المدعوّ، فإن كان مجادلا، فليكن جداله بالتي هي أحسن.
- {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} 3.
- {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} 4.
ومرة أخرى يوجههم نحو الأسلوب، بعرض قصص الأنبياء بما تشتمل عليه من حقائق عديدة، تتصل بموضوع الدعوة، وأسلوبها، ومنهجيتها الاتصالية، ومدى تقدير المسئولية عند من يتحمل أمانة الدعوة والتبليغ، وكيفية مواجهة المواقف الصعبة التي تحدث مع القيام بالبلاغ والدعوة. يبين القرآن الكريم هذا وهو يوضح الغاية من
1 سورة التوبة آية: 122.
2 سورة النحل آية: 125.
3 سورة الأعلى آية: 9.
4 سورة الغاشية آية: 21، 22.
القصص القرآني، يقول الله تعالى:
وبقوله سبحانه: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 3.
ومرة ثالثة يوجههم بتوضيح خواطر النفس، واتجاهات الهوى، وسبحات العقل والروح، وهو يحدثهم عن طبقات الناس من الملأ، والضعفاء، والمترفين، واليهود، والنصارى، والصابئة، والمجوس، والذين أشركوا، ومعهم، وقبلهم المؤمنون المخلصون.
…
وهكذا يلتقي الدعاة مع منهج الدعوة الحكيم.
إن قصص القرآن الكريم يُجلِّي حركة الدعوة، ويوضح تاريخها على الزمن كله، بصدق تام لا ريب فيه، ولا خيال، ويركز هذا القصص على الجوانب المفيدة النافعة، ذات التأثير في الخلق، والسلوك، والاعتقاد، ويقدم الدعوة، موضوعا، ومنهجا، وهي تتحرك مع الناس، في صورة عملية حية؛ لتأكيد ملاءمتها للفطرة، وتوافق التحرك بها في إطار المنهج الرباني.
1 سورة هود آية: 120.
2 سورة يوسف آية: 111.
3 سورة الأعراف آية: 176.
إن واقع المسلمين المعاصر في أمسّ الحاجة إلى المدارسة الجادة لقصص الرسل، من أجل الوقوف على منهجهم في الدعوة، ومعرفة حقائق الناس، وخفاياهم، واكتشاف الوسائل المثلى للجدل، والخطاب، والإقناع، والإرشاد، ولم ينتقل رسول الله إلى ربه إلا بعد أن وضح المنهج، وعرفت الوسائل والأساليب
…
وصارت مبادئها، وأساسياتها، مصورة في وقائع عملية، وأحداث تطبيقية، تشهد بحيويتها، وتأثيرها في الناس.
وانطلاقا من الشعور بواجب الدعوة، ومحاولة لبذل جهد على قدر طاقتي، أكتب في تاريخ الدعوة، يحدوني الأمل في توفيق الله تعالى لأتغلب على الصعاب العديدة.
إن الكتابة في هذا الموضوع جديدة، والجديد دائما يحتاج للجهد والعمل، ويتعرض للنقد والمعارضة، وبخاصة إذا قلت مراجعه، وندرت العقول التي تناولته بالتحليل والتوضيح
…
وأين لي بوقت أستعين به في أداء المقصود على وجه سديد
…
ولكنه الأمل في الله، إن الأمل في الله كبير وهو صاحب الفضل:{وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} 1.
ولقد ألف في قصص الأنبياء، وقصص القرآن عددٌ من العلماء أسهموا في إبراز هذا التراث العظيم، ووجّهوا أنظار المسلمين إلى ما فيها من عبر وفوائد.
وأعانني الله تعالى فقرأتُ أغلب هذه المؤلفات، ورأيت ضرورة إبراز الجانب الدعوي في قصص الأنبياء؛ لإيماني بأن القرآن الكريم نزل للدعوة، وكل ما فيه من قصص، وأحكام، وتشريع هو توجيه للدعاة، بدءا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله للناس {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} ، واستمرارا مع كل الدعاة المخلصين إلى يوم القيامة.
ولهذا استخرت الله تعالى في الكتابة عن الجانب الدعوي، من خلال تاريخ الأنبياء عليهم السلام؛ لأن الدعوة من خلال تاريخ الأنبياء وقصصهم تعد في الحقيقة
إظهارا عمليا لحركة الدعوة وسلوك الدعاة، وموقف المدعوين، وشبه المعارضين، وكشفا حقيقيا لتصرفات أعداء الدعوة إلى الله تعالى.
ومن هنا كان توضيح تاريخ الرسل، من خلال القرآن الكريم، إحياء للماضي وتقوية للحاضر، ودستورا دائما للدعوة، يحدد المسار ويبين المنهج، ويشير إلى النتائج النهائية للمؤمنين، وللكافرين، على حد سواء.
ومن أجل تحقيق الفائدة من هذه الدراسة، اتبعت منهجا واحدا مع تاريخ سائر الرسل، وبخاصة من فصل القرآن الكريم في دعوتهم، يعتمد الأسس التالية:
أولا: التعريف ببيئة قوم الرسول؛ لمعرفة حضارتهم، والنعم التي تفضل الله بها عليهم، وأشهر الأصنام والأوثان التي عُبدت من دون الله تعالى.
ثانيا: التعريف بقوم الرسول، والوقوف على أهم طبائعهم النفسية، والفكرية، ومدى تمسكهم بالضلال في العقيدة، والانحراف في الخُلُق والسلوك.
ثالثا: التعريف بالرسول عليه السلام ونشأته، وأخلاقه، وملامح الصناعة الربانية فيه، ومناط الأُسْوة، والقدوة للدعاة، والمؤمنين.
رابعا: التفصيل في بيان حركة الرسول بالدعوة في قومه، وتشمل الحركة المنهج والوسيلة، والأسلوب، كما تبين فطنة الرسول ودقته وهو يدعو إلى الله تعالى.
خامسا: إبراز أهم ركائز الدعوة مع كل رسول؛ لتكون دعائم أساسية للدعاة في مجال التأسي والاعتبار.
وبعد الانتهاء من دراسة تاريخ دعوة الرسل، قمت بدراسة مطولة حول أسس الدعوات الإلهية، ومدى تكريمها للإنسان، وتحديدها للغاية التي خلق من أجلها مع بيان شخصية مبلِّغ الدعوة، ومنهجية البلاغ من خلال دراسة هذه الأسس،
والأمل أن تقدم الدراسة التفصيلية لتاريخ الرسل، والتحليلية للمبادئ والأسس الطريقة المثلى للدعاة في العصر الحديث، وليعلم الجميع أنه لا جديد عن الدعوة من كافة نواحيها يختلف عما جاء في القرآن الكريم.
إني أرجو من خلال كتابة تاريخ الدعوة ربط أحداث الماضي، بوقائع الزمن الحاضر، وإنارة طريق المستقبل؛ ليعيش الدعاة متخذين قدوتهم الرواد الأوائل الذين هداهم الله، وليكونوا لمن بعدهم المثل والأسوة، حتى تعود الأمة الإسلامية لعهدها الأول، وتصير بحق خير أمة في العالمين.
والله من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
ا. د/ أحمد أحمد غلوش
مدينة نصر في أول محرم سنة 1422هـ
الموافق 15/ 3/ 2002م
1 سورة الحديد آية: 29.