الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن صفات القيادة مشاركة الناس في قضاياهم، وتحمل إزالة الأضرار والآلام عنهم، وقد رأينا موسى عليه السلام يشارك الإسرائيليين، ويطلب من فرعون أن يحررهم، ويتركهم يذهبون معه عليه السلام إلى بلاد الشام.
ومن صفات القيادة الكرم المادي والمعنوي؛ لأن ذلك يقرب القلوب، ويجمع العقول والعواطف، يقول الله تعالى:{وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} 1.
ومن صفات القيادة الصبر، والتحمل، وهذا يمكن الداعية من استيعاب مواقف معارضيه، ويجعله قادرا على توجيه الحوار نحو قضيته، والانتقال من مسألة إلى أخرى، ومن دليل إلى غيره بلباقة، وحكمة.
1 سورة فصلت آية: 34.
الركيزة الثالثة: خصائص البلاغ المبين
استعد موسى عليه السلام للبلاغ، وأحل الله له عقدة من لسانه، وأرسل معه أخاه، وذلك حتى تصل دعوته إلى الناس بينة، واضحة، مفهومة، كما قال عليه السلام وهو يطلب من ربه المعونة، قال تعالى:{وَاجْعَلْ لِي} ذلك أن غاية الرسالة البلاغ، والبلاغ يعني الوصول إلى المراد، وبذل ما يكفي لتحقق المطلوب في صورة عادية، يقال: بلغ الغلام إذا وصل إلى زمن التكليف والمسئولية، ومنه قول الله تعالى:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} 1.
ويتضمن البلاغ كذلك بذل أقصى الجهد، والبلاغة، والفصاحة، والحسن، والبيان2.
1 سورة الأحقاف آية: 15.
2 لسان العرب، مادة "بلغ" ج10 ص301، 302.
وهذه الدلالات اللغوية لكلمة البلاغ، تشير إلى أهم خصائصه في مجال الدعوة إلى الله تعالى:
- جلاء القضية التي يدعو إليها الرسول، أو الداعية في ذهن المستمع؛ ليعرف حقيقتها، وغايتها، وأهميتها عن أشباهها، وأمثالها، كالدعوة إلى التوحيد حيث ندرك من عرض الرسول لها هذا التميز، لقد كان فرعون يرى أنه الإله الواحد، ويقول:{مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} 1، لكن دعوة موسى وضحّت وحدانية الله، المتصف بكل كمال يليق بالإله المعبود.
- تحريك عمليات الإدراك العقلي حول القضية موضوع الدعوة، انظر إلى موسى عليه السلام وهو يخاطب عبدة الأصنام، لقد أوصلهم بأسئلته إلى أن يقروا له بالصدق، قال تعالى:{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} 2.
وها هو عليه السلام يخاطب فرعون حتى أصابه بالبهتان، والعجز
…
وسبب ذلك أن موسى عليه السلام حرك بدعوته عوامل التعقل والتفكير، فعجزوا عن الرد حتى كادوا أن يؤمنوا بموسى ودعوته.
- بذل أقصى الطاقة، وكل الممكن في عملية البلاغ، فليست الدعوة شعارا يرفع، أو عملا للمباهاة والراحة، وإنما هي تكليف يحتاج إلى السعي المتواصل، والعمل الدءوب، والانتقال بالمستمعين من دليل إلى دليل، ومن حجة إلى حجة، عسى أن يصل أحدها إلى شغاف القلب فينفتح، ويدخل في دين الله تعالى.
- الاستفادة بفنون البلاغة المتعددة في عرض موضوع الدعوة بتصوير المعنى، وعرضه في أساليب مختلفة، وتحسينها بالجمال والإبداع؛ لتتمكن المعاني من نفسية المستمع، وتجذبه عاطفيا، وفي البلاغة سحر يشد العقول إليه، وتألفه العاطفة، والوجدان.
1 سورة القصص آية: 38.
2 سورة الأنبياء آية: 64.