الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عاصر نوح عليه السلام عددا من الأجيال، ونادى فيهم بدعوة الله، مستقيما على المنهج، صادقا في سعيه لهم، ومع ذلك كانوا جميعا على نمط واحد في العناد، والكبر، والعدوان، والكفر، وكأنهم تواصوا بذلك
…
ومن هنا كانت الدروس نتائج ثابتة تحدد أسس الحركة بالدعوة على الزمن كله، وهي الركائز التي أحب أن أوضحها فيما يلي:
الركيزة الأولى: العقيدة أساس الدعوة
قامت دعوة نوح عليه السلام على دعوة الناس إلى توحيد الله تعالى، وقصر العبادة له، وترك ما عدا ذلك، من شرك وضلال. يوضح الله تعالى هذه الحقيقة في آيات متعددة، يقول تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 1، ويقول تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} 2، والآيات كثيرة، وكلها تؤكد دعوة نوح للتوحيد الخالص
…
دلل لهم على حقيقة التوحيد بالآيات الكونية التي يعيشونها، ويشاهدونها، قال لهم:{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} 3، وفي هذه الآيات أدلة واضحة، تنطق بدقة الخلق، وغائية الوجود، وروعة الحسن والجمال. إنهم
1 سورة الأعراف آية: 59.
2 سورة هود الآيات: 25، 26.
3 سورة نوح الآيات: 15-20.
يدركون هذه الآيات، ويرتبطون بها في معاشهم، ليلا ونهارا، ظلمة ونورا، سيرا وعملا، طعاما وشرابا، في دقة رائعة، وفي تتابع منسق، لا يبغي بعضها على بعض
…
إن الخالق هو الله الواحد، ويجب أن يعبد وحده
…
وتقوى الله هي البرهان على استقرار التوحيد في القلب، وهي القوة المحرِّكة ليعيش الإنسان عابدا لله، بالمنهج الذي جاء به نوح عليه السلام ولذلك قال لقومه:{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} 1، يقول سيد قطب: "وعبادة الله وحده منهج كامل، يشمل تصور الإنسان لحقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية.... وتقوى الله هي الضمانة الحقيقية للاستقامة على هذا المنهج وعدم التلفّت إلى غيره، بلا رياء، ولا تظاهر، ولا مماراة
…
وطاعة الرسول هي الوسيلة للاستقامة على المنهج وتلقي الهدي من مصدره، واستمرار هذا الاتصال ما دامت الرسالة موجودة"2، ووجود الرسالة يدوم بوجود رسولها، أو بوجود مصادرها المنزلة.
ومن الحقائق المسلمة أن الدعوة إلى التوحيد تتضمن بالضرورة الإيمان بالرسول، وبالملائكة، وبالكتاب
…
لأن الملائكة هي حاملة الكتاب المنزل على الرسول، والرسول هو مبلِّغ الوحي للناس.
ولذلك قال نوح عليه السلام: {وَأَطِيعُونِ} ؛ لأنه رسول الله إليهم، وبلاغه هو دين الله تعالى.
والإيمان باليوم الآخر جزء من العقيدة، وقد عرفهم به نوح عليه السلام وهو ينذرهم به، قال تعالى:{أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} 3.
1 سورة نوح آية: 3.
2 في ظلال القرآن ج8، ص298، الطبعة السابعة، دار التراث العربي.
3 سورة هود آية: 26.
فهم قوم نوح دعوته لأركان العقيدة، وسمعوا براهينه، وبدل مناقشته في الدعوة اتهموه بالكذب؛ ولذا ردوا عليه، وزعموا أن الرسالة لا تكون لبشر، وقالوا لنوح:{مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} 1، {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} 2.
وقالوا: إن جازت الرسالة لبشر فيجب أن يكون من عِلْيَة القوم ووجهائهم، وزعموا أن أتباع نوح من الفقراء الضعفاء الذين لا يفكرون في أمر، ولا يعقلون ما يريدون، ويتبعون الرأي عند ظهوره بلا تدبر فيه، وقالوا لنوح ما حكاه الله تعالى:{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} 3.
وقد رد نوح عليه السلام مزاعمهم، وبين لهم أن النبوة رحمة من الله، يصطفي لها من يشاء من عباده، وليس لهم أن يناقشوا في شخص الرسول، وعليهم أن ينظروا في معجزاته البينة، ومدى صدقه في دعوته، ولهم أن يسألوا أنفسهم عن غاية الرسول من كذبه على الله، وهو لا يأخذ منهم أجرا، والمؤمنون معه من الفقراء الذين لا جاه لهم ينتفع به، أو مالا يستولى عليه. فلماذا يكذب على الله إذًا!!
ومع كل هذا لم يؤمن القوم بالله، وعاشوا حتى هلكوا على الكفر والضلال
…
وقد يسأل إنسان: وأين الشريعة في دعوة نوح عليه السلام؟
وهو سؤال له وجاهته، والجواب عليه يجلي الحقيقة
…
وإن الشريعة منهج عملي تنظيمي للحياة، يحتاجها أصحاب العقيدة ليلتزموا بها، فمن اعتقد بالله أطاع شرعه، والكافر لا يحتاج لشريعة؛ لأنه كافر بالله أصلا، وقوم نوح لم يؤمنوا؛ ولذلك لم يكلفهم نوح عليه السلام بشريعة ما، ولم يأمرهم بها.
1 سورة هود آية: 27.
2 سورة "المؤمنون" آية: 24.
3 سورة هود آية: 27.