الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما المصريون فكانوا يعبدون الأصنام، والأوثان، والحيوان، ويتخذون فرعون إلها أكبر؛ ولذلك كانوا جميعا محتاجين إلى رسول يدعوهم إلى دين الله الحق، وقد جاءهم موسى عليه السلام بهذا الدين ومعه أخوه هارون عليه السلام.
النقطة الثانية: التعريف بموسى عليه السلام
مدخل
…
"النقطة الثانية": التعريف بموسى عليه السلام
حياة موسى عليه السلام متشعبة الجوانب، غريبة الأطوار، وقد أحاطه الله برحمته وقدرته؛ ليكون رسوله إلى المصريين وبني إسرائيل، وقال له سبحانه وتعالى:{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} 1، والتعريف به عليه السلام يحتاج إلى مدارسة حياته في عدد من الجوانب؛ لنرى في كل جانب عجيبة من عجائب قدرة الله تعالى في عنايته بموسى عليه السلام وذلك فيما يلي:
1 سورة طه آية: 41.
أولا: ولادة موسى
حينما أصدر فرعون قراره بقتل ما يولد للإسرائيليين من الذكور، ووضع كل المحاذير حتى لا يفلت منهم أحد، وُلد موسى عليه السلام والله غالب على أمره، فقدر سبحانه وتعالى أن يولد هذا المولود، ويربى في دار فرعون نفسه، وينشأ على فراشه، ويغذى بطعامه وشرابه، ثم يكون هلاكه في الدنيا والآخرة على يديه.... فالله فَعَّال لما يريد، وهو القوي العظيم.
وحتى يتحقق قدر الله تعالى نرى الحوادث تسير بعَجَب مدهش، وبطريقة ناطقة بقدرة الله تعالى وحكمته، ذلك أن أم موسى حملت به، فأنكرت حملها على الناس، ولم يكتشفها أحد من زبانية الطاغوت، فلما وضعته ألهمها الله تعالى أن تتخذ تابوتا وتضعه فيه، فكانت ترضعه، وتضعه في التابوت مخافة أن يكتشفه أحد، وألهمها الله تعالى أن تضع التابوت في البحر أمام بيتها1، وتربط التابوت بحبل تمسك
1 كان بيت أم موسى على شاطئ البحر.
بطرفه؛ لتتمكن من إرضاعه، وفي نفس الوقت تحميه من عسس فرعون وعيونه، وشاء الله أن ينقطع الحبل، وتتقاذف الأمواج التابوت، وتتحرك به بعيدا، وتأخذه إلى جوار قصر فرعون.
ويعجب العقل أن تكون النجاة فيما هو مظنة الهلاك، ولكنه الله الذي قال لأمه:{فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} فألقته في اليم، وتحرك به الماء بعيدا عن عيونها وبيتها، فكاد قلبها أن ينخلع منها فرقا عليه، وتعلقا به.
يذكر المفسرون أن الجواري التقطْنَ التابوت من البحر، وأخذنه مغلقا لسيدتهن "آسية بنت مزاحم"، فلما فتحته آسية رأت وليدا يتلألأ وجهه بالنور، والحسن، فأحبته، ورضيته لنفسها ولدا، فلما جاء فرعون هَمَّ بذبحه، فطلبت آسية منه أن يتركه، ويهبه لها، فرضي برجائها ليكون لها فقط، فليس له به حاجة.
ووصل الولد إلى بيت فرعون، وأصبح مكفولا برعاية الملك، وزوجته.... يصور الله هذا الجانب من القصة، فيقول سبحانه:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} 1.
1 سورة القصص الآيات: 7-9.
والوحي إلى أم موسى إلهام في القلب، يضعه الله فيه، فيقتنع به صاحبه ويطبقه1.
وقد ألهم الله أم موسى بأمرين:
1-
أن ترضعه عقب ولادته وتشبعه، ولا تفعل كما تفعل الإسرائيليات إذا ولدن ذكرا؛ لأنهن كن يقتلن أولادهن بأيديهن، أو يسلمنه إلى جنود فرعون ليذبحوه.
2-
إذا خافت عليه من جنود فرعون، فعليها أن تلقيه في البحر بعد أن تضعه في تابوت، وألهمها الله -سبحاته وتعالى- بأنه لن يصاب بأذى، وأن الله سيعيده إليها، وسيجعل الله له شأنا ومقاما، وسيكون رسول الله إلى الناس، وعليها ألا تخاف عليه من أي أذى، كالضياع والموت، ولا تحزن لبعده عنها، أو مخافة القتل.
وتشير الآيات إلى التقاط آل فرعون لموسى من البحر، وتربيته في بيتهم، آملين أن يكون قرة عين لهم، وهم لا يشعرون أنه سيكون لهم عدوا وحزنا، وكأن القدر يقول لهم: "يا أيها الملك الجبار، المغرور بكثرة جنوده، وسلطة بأسه، واتساع سلطانه، قد حكم العظيم سبحانه وتعالى، الذي لا يغالب، ولا يمانع، ولا تخالف أقداره، أن هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك، وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك، وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه، وتربيه، وتتفداه، ولا تتطلع على سر معناه
…
ثم يكون هلاكك على يديه؛ لمخالفتك ما جاء به من الحق المبين، وتكذيبك ما أوحي إليه، لتعلم أنت وسائر الحق، أن رب السموات والأرض
1 يرى الجمهور أن الوحي لأم موسى كان إلهاما على نمط: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} ، وذهب جماعة إلى أنه كان مناما، وذهب آخرون إلى أن مَلَكًا تمثل لها وكلمها به، وقال مقاتل: أتاها جبريل بذلك، فهو وحي إعلام لا إلهام، والكل يراها غير نبية "تفسير القرطبي ج13 ص250".