الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثالث: توحيد الألوهية
يعتبر توحيد الألوهية، ثمرة مباشرة لتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية.
لأن توحيد الأسماء والصفات ينفي الشريك في الاسم، والصفة، وتوحيد الربوبية يدور على إثبات الفعل، والتأثير لله وحده.
فإذا ما آمن الإنسان بربوبية الله، وأسمائه وصفاته، يجد نفسه تلقائيا مؤمنا بألوهية الله تعالى، فيتعلق القلب به سبحانه، خوفا ورجاء، ويتعلق اللسان به صدقا وإيمانا، وتتعلق الجوارح به عملا وطاعة.
وحين يحقق المؤمن في نفسه توحيد الألوهية تتحقق العبودية الصادقة التي من أجلها خلق الله الإنسان.
إن تكامل الإيمان في الشخصية المؤمنة يبرز التوحيد، والعبادة، في قالب واحد، لا ينفك أحدهما عن الآخر، وهو الذي عناه الأنبياء وهم ينادون في الناس {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} .
ولقد بدأت البشرية بنبي الله آدم عليه السلام، مؤمنة، موحدة، تشهد بوحدانية الله تعالى في أسمائه وصفاته، وربوبيته، وألوهيته، لكنها لم تستمر على الإيمان طويلا؛ إذ لعب بها الهوى، وأضلها إبليس، فاتخذت آلهة عددا، وعبدتها من دون الله تعالى.
وكانت كلما جاءهم رسول يدعوهم إلى الحق، لا يؤمنون، وإن آمن بعضهم فسرعان ما يرتدون.
إن تاريخ الناس بالنسبة لدين الله مؤسف، ففترات الكفر، والإلحاد تربو على فترات الإيمان، ولم يأت رسول إلى قومه إلا وهم على ضلال مبين، بدءا بنوح عليه السلام إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وكان الناس خلال ضلالهم يعبدون الأصنام، والأوثان، والأشخاص، والكواكب، والأشجار، والبيوت وغيرها.
جاء نوح عليه السلام فوجد قومه، يعبدون الأصنام من دون الله تعالى، فدعاهم إلى التوحيد الخالص، والعبودية الحقة، لكن القوم أصروا على كفرهم وقالوا ما حكاه
الله عنهم: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} 1 فتمسكوا بأصنامهم، وعلى رأسها هذه الأصنام الخمسة المذكورة لأنها أكبرها، وأكثرها أتباعا، وواجهوا حركة نوح عليه السلام بالدعوة باتهامه بالكذب والسفاهة، والجنون، ولم يرتضوا أن يكون الرسول بشرا، في الوقت الذي ارتضوا فيه أن يكون الله حجرا أو حيوانا.
و"عاد" هي الأخرى عبدت الأصنام، ونسيت الله، وحقوقه، فكان ردهم كقوم نوح تماما، فاتهموا هودا بخفة العقل، والكذب، ومخالفة أبائه السابقين.
و"ثمود" كذلك كانت على نمط من سبقوهم في الكفر، والضلال، ولما دعاهم صالح عليه السلام أبوا واستمروا على ضلالهم.
وهكذا كان كل الأقوام مع رسلهم، في رفضهم الدعوة، واتهام الرسول، والتشبث بمواريثهم، وضلالهم..... ولقد كان للقوم منطق واحد في ضلالهم، وكفرهم.
لقد عبدوا الأصنام، والأوثان، ورفضوا عبادة الله وحده، متعللين بأسباب واهية.
قالوا: إن مواريث الآباء في عبادة الأصنام أولى بالاتباع؛ لأن الأباء ما عبدوها إلا عن اقتناع بها، فكيف لهم ترك ما كان عليه الآباء والأجداد.
وقالوا: إن عبادة عدد من الآلهة أفضل من عبادة إله واحد؛ لأن الكثرة والتعدد أحق من التوحد، وكأنهم في سوق يبيعون ويشترون.
وقالوا: إن تعدد الآلهة يساعدهم في العبادة؛ لأنهم يصطحبون الإله معهم أينما ذهبوا وأينما حلوا.
وقالوا: إن الأصنام آلهة صغرى، نراها، ونلمسها، وبها نتقرب إلى الله الأعظم، يشير الله تعالى إلى هذه العلل الواهية، فيقول تعالى:
1 سورة نوح آية "23".
{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} 1، ويقول تعالى:{قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ، إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} 2 ويقول تعالى: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 3.
وكل هذه الافتراءات، والمزاعم الباطلة تعود إلى الجهل، والكبرياء والاستغراق في الهوى، وحب الشهوة، وحب السيطرة والاستعلاء.
فهم بكبريائهم يعتزون بأبائهم، ويتمسكون بما ورثوه منهم، وكأنه الحق الذي لا تجوز مخالفته رغم وضوح فساده، وضلاله.
وبسبب هذا الكبر نجدهم لا يهتمون بدعوة الرسول إليهم لكونه رجلا عاديا، من عامتهم.
وهو بجهلهم يعبدون أصناما لا تضر، ولا تنفع، ولا تسمع، ولا تتكلم، ولا تملك من أمر نفسها شيئا، ولا تدفع عن نفسها ضرا، وأهملوا عبادة الله الذي خلقهم، ورزقهم، وهو الذي أحياهم، وسوف يميتهم.
وبجهلهم تصوروا أن كثرة الحجارة تعطي معنى آخر، مع أن هو حجر واحدا كان أو عددا.
وبجهلهم اعتبروا الألوهية سلعة كسائر السلع، ولذلك فضلوها عددا وكثرة ومن حبهم للهوى أنهم فضلوا صناعة آلهة متعددة بأيديهم، واصطحابها في سفرهم، ورحلاتهم ليسعدوا بها، ويعيشوا معها.
1 سورة الأعراف آية "70".
2 سورة الشعراء الآيات "136، 137".
3 سورة ص آية "5".
ومن حبهم للاستعلاء والتسلط عملهم على انتشار عبادة الأصنام في الناس؛ لأنها وسيلتهم إلى السيطرة على عقول العامة، والاستيلاء على ما لهم من حقوق.
لقد وصل بهم الضلال إلى أن نصبوا أنفسهم آلهة، ووجهوا العامة، وغيرهم إلى تعظيمهم، والخضوع لهم، مع أنهم يعلمون علم اليقين، ضعفهم، وحاجتهم إلى الله دائما، وبخاصة في وقت مرضهم، وأزماتهم، ومشاكلهم.... لكنه الضلال والكبر ولقد استمر الرسل عليهم السلام في جلاء الحقيقة، ودعوة الناس إلى الدين الحق، ولم يأبهوا بمعارضة أهل الباطل والضلال.