الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعبادة بمفهومها الواسع تعني الخضوع المطلق، والطاعة الشاملة، ولا تكون إلا لله.
ويدرك العقل مدى الترابط بين هذه المفاهيم المستفادة من الآيات، فقصد العبادة لله نتيجة حتمية لكونه الحاكم الواحد، وهذا الحكم ملازم لوحدانيته، وقدرته.
إن الواحد القهار لا بد أن يكون حاكما، ولا بد أن يعبد وحده عن استحقاق وتمكن، ولا شيء لغيره من ذلك أبدا.
وكأني بـ "يوسف" عليه السلام حينما جاءه رسول الملك ليخرجه من السجن، وهو يقول له:{ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} كأني به يفضل حياة السجن داعيا، مؤمنا، على الحياة خارج السجن متهما منبوذا، فلما ظهرت براءته خرج عليه السلام إلى عالم الحرية، يطلب حقه إفادة للناس:{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} .
"
الركيزة الرابعة": منهجية الدعوة
تقدم قصة يوسف منهجية عالية في الدعوة إلى الله تعالى، في أمرين رئيسيين:
الأمر الأول: التدرج في الوصول للغاية1.
المفاجأة تؤدي إلى الدهشة، والتغيير الكلي لا يتم دفعة واحدة؛ ولذلك يرى علماء التربية ضرورة التدرج في التعليم والتربية، مع تقديم السهل من قضايا الدعوة على
1 يختلف التدرج عن المجاراة؛ لأن المجاراة تسليم للخصم بما يعتقد، ثم تكون المناقشة بعد ذلك، أما التدرج فهو المناقشة ابتداء على أن تتم شيئا فشيئا، وتقديم القضية جزءا جزءا.
غيره، والانتقال من البدهيات والمسلمات إلى ما يحتاج لدليل وبرهان.
والطبيب حين يعالج مريضه في تقديم الدواء تبعا لتقبُّل المريض، واستعداد بدنه.
وعلى الدعاة أن يسلكوا هذا المسلك؛ ليحققوا لدعوتهم نجاحا، وتمكنا في قلوب الناس.
وقد اتبع يوسف عليه السلام هذا الأسلوب مع من التقى بهم، وقد اشتملت قصته على نماذج لهذا التدرج.
فهو عليه السلام حين عرض عليه صاحباه ما رأيا، وطلبا منه تفسيرها لهما، أخذ يدخل إلى نفسيهما مدخلا لطيفا، رفيقا، متدرجا حيث بدأ بتأكيد الثقة في علمه، وأخذ ينبئهما بالطعام الذي سيأتيهما قبل إتيانه.
وبعدها بين لهما أن هذا العلم جاءه من ربه، الذي يعبده، ويؤمن به، وبالضرورة سيتساءل صاحباه: ما دينه؟ وما ربه؟
وهو على الفور يوضح لهما أنه ليس على دين الناس، إن دين الناس باطل، فهم يكفرون بالله، ولا يؤمنون باليوم الآخر.... أما دينه فهو دين إبراهيم وإسحاق عليهما السلام القائم على التوحيد الخالص، والتوجه بالعبادة لله وحده، كل ذلك على وجه الحكاية، وهم يسمعون
…
ثم ينتقل مرحلة أخرى في شكل استفهام حول دينه ودين الناس، يوجهه لصاحبيه، قال تعالى:{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} 1.
إنه يخاطب فيهما الأخوة والصحبة، ويسألهما سؤالا لا يحتاج لجواب؛ لأنه أجاب عنه في حديثه الذي سبقه مباشرة، وإنما يقصد بالسؤال أن يفكروا في عقيدتهم، ويعودوا إلى فطرتهم، ويتجاوبوا مع أصالتها.
1 سورة يوسف آية: 39.
جاء في الظلال: "وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها، ويهزها هزا شديدا. إن الفطرة تعرف لها إلها واحدا، ففيم إذن تعدد الأرباب؟ إن الذي يستحق أن يكون ربا يعبد هو الله الواحد، ومتى توحد الإله فواجب أن يتوحد الرب.... وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد، ثم يدينوا لغيره، ويتخذوه ربا من دون الله"1.
وبعدها ينتقل يوسف خطوة أخرى، فيتجه إلى بيان بطلان دين الناس، من ناحية أن آلهتهم التي يعبدونها صنعوها بأيديهم، وسموها بآلهة بزعمهم، وليس لها من دليل وبرهان
…
وأخيرا يصل إلى مبتغاه، مناديا بدعوته قائلا:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
…
وهكذا تدرج يوسف عليه السلام في دعوة صاحبيه، ووصل إلى عرض دعوته في نهاية المطاف، ثم فسر لهما ما رأيا.
ومرة أخرى
…
نرى يوسف عليه السلام مع إخوته، لقد التقى بهم ثلاث مرات، في المرة الأولى تحدث معهم وعرفهم، واشترط عليهم إحضار أخيهم ليمتاروا بعد ذلك، وفي المرة الثانية حضر أخوه فعرفه بنفسه، وتحايل لإبقائه معه، وفي المرة الثالثة عرفهم بنفسه وأعطاهم قميصه، وبعد ذلك جاءوه بقومهم أجمعين.
إنه تدرج معهم منعا للمفاجأة، وإظهارا لحقيقة النفوس، وحتى يكون مجيئهم جميعا لمصر مقبولا، ومن الجائز ألا يتحقق له ما أراد لو أعلنه لهم أول مرة.
1 في ظلال القرآن ج12 ص225، 226 ط. دار العربية.
وعلى الدعاة أن يستفيدوا بهذا الأمر المنهجي، وذلك بتحديد المرض الذي يريدون علاجه، واتباع خطة تدريجية في العلاج والتوجيه.
إن الخطبة الدينية يجب أن تتدرج في العرض والطلب، وتنتقل من فكرة إلى فكرة، في تدرج عقلي لتكون محل القبول والتأثير.
الأمر الثاني: القصة وسيلة للدعوة
القصة عمل فني متكامل، يقصد به التأثير في القارئ والمستمع، بعدما تجذبه إلى أحداثها، وشخوصها.
وتعد قصة يوسف عليه السلام صورة متكاملة للقصة القرآنية، حيث نراها تضم ثروة من الحقائق والمعارف، وقدرا كبيرا من الإيحاءات والتوجيهات، وتنوعا في الأدلة والبراهين التي تثبت حقيقة الدين، وأحقيته في الاتباع.
إن مجرد تذكر يوسف عليه السلام يجعل العقل يسبح في السورة من أولها إلى آخرها، وهو يتصور يوسف، طفلا، وسجينا، وواليا، وبين إخوته، وأهله، ومع النسوة، والملك.
إن القصة تجمع كافة العناصر بحيويتها، ونشاطها، فهي تصور المكان مع تنوعه، وتغيره، فهو الجب، والسجن، والقصر، والعرش.
وتصور الأشخاص بنفوسهم، وطبائعهم، فها هم إخوته بأوصافهم وصفاتهم، وها هو أبوهم وصلته بأبنائه، وها هي امرأة العزيز، وأصحابه في السجن، والعزيز.
وفي القصة العقد التي يتضح حلها بعد حوار، ونقاش، ولعل أشهرها رؤيا يوسف التي ظهر تعبيرها عمليا في نهاية القصة.
ولكن....
ما سر التأثير بالقصة؟
إن القصة تشد خيال المتابع لها؛ ليتعقب أحداثها، ويتنقل معها من موقف لآخر، وهي تجعل المتابع لها يشارك بوجدانه أبطال القصة، راجيا لهم الخير، أو رافضا عملهم، ومسلكهم.
وهي تثير الانفعالات النفسية للمتابع لها، وتحرك عالم اللاشعور لديه، وتجعله يتخذ موقفا من الذي يراه ويسمعه.
إن اتخاذ الموقف من أحداث القصة هو بداية التأثر بها، والاستفادة بالتوجيهات المقصودة منها.
والإسلام يدرك الميل الفطري للإنسان نحو القصة، ولذلك أوردها في القرآن للفائدة والعبرة.
والقصص القرآني أنواع ثلاثة:
النوع الأول: القصص التاريخي، وتشمل القصة التاريخية، الواقعية المقصودة بأماكنها، وأشخاصها، وحوادثها.... وهي كل قصص الأنبياء التي وردت متضمنة كافة العناصر الفنية الواقعية.
النوع الثاني: قصة النموذج الواحد مثل قصة ولدي آدم؛ لأنها تعرض نموذجا، واقعيا، وحيدا، قابلا للتكرار في كل العصور.
النوع الثالث: القصة التمثيلية، وهي التي تركز على الحدث وتسكت عن الأشخاص، مع قابليتها للتطبيق، وذلك مثل قصة أصحاب الجنتين1.
وقصص القرآن الكريم بكل أنواعه يقصد التأثير، وتحقيق غاية مقصودة، ولذلك يعرض الواقع كما هو، ويبرز الإيجابيات والسلبيات، مع التعليق الموجز عليها ليأخذ المتابع هدنة، يتمكن خلالها من الحكم والمشاركة بعقله، لا بعواطفه فقط.
إن المسلم وهو يتابع قصة يوسف عليه السلام وهي قصة تاريخية، يجد نفسه بالضرورة أمام رأي يتخذه مع كل حدث، وكل شخصية، ومع الرأي يكون الموقف، ويكون التأثر.
1 منهج التربية الإسلامية ج1 ص237.
والقرآن في قصصه يتخير من الأحداث ما يحقق غرضه؛ ولذلك نراه يسكت عن أحداث ومواقف، ويكتفي بغيرها، ومع ذلك تستمر جاذبيته ويبقى تأثيره، يقول الشيخ محمد عبده:"إن قصص القرآن الكريم لم يقصد سرد الوقائع مرتبة حسب أزمنتها، وإنما المراد بها الاعتبار والعظة، ببيان النعم متصلة بأسبابها، لتطلب بها، وبيان النقم بعللها لتتقى من وجهتها، ومتى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير، وأدعى إلى التأثير"1.
إن على الدعاة أن يستفيدوا بقصص القرآن الكريم من ناحيتين:
أولاهما: الاستشهاد بمقاطع من القصة في دعوتهم الناس، كمقطع العفة في حياة يوسف عليه السلام لأن هذا الاستشهاد يعد دليلا عمليا، عاشه الناس في عالم الواقع؛ ولذلك فهو بعيد عن الخيال، والأحلام.
والثانية: الاستفادة بالقصة القرآنية كرمز يساعد على توضيح المراد، ومعالجة الواقع، من غير حساسية أو تجريح؛ لأن ربطها بالقرآن الكريم يعد إبرازا لمبدأ مقرر شرعا.
لقد ألف الفيلسوف "بيدبا" كتابه "كليلة ودمنة" على ألسنة الحيوانات والطيور؛ ليصلح به الناس بعيدا عن الإثارة والتصادم، وقد استطاع تحقيق هدفه بهدوء، ولم يغضب أحدا.
والقصة القرآنية حين تخرج من جو القرآن الكريم يكون لها من السحر، وقوة التأثير، وسرعة التصديق ما ليس لغيرها من كلام الناس.
إن القصة مليئة بالتوجيهات المعبرة، والدروس المفيدة، وعلى الدعاة أن يستفيدوا من منهجية القصة، ويسلكوا مسلكها في الدعوة والتوجيه.
1 تفسير المنار ج1 ص327.
"الركيزة الخامسة": حقائق لا بد منها
هناك بعض القضايا التي وردت في قصة يوسف عليه السلام أود أن أبينها بإيجاز:
الحقيقة الأولى: "العلاقات الأخوية"
الإخوة، وهم أبناء أب واحد، وينتسبون لعائلة واحدة، يمكن أن يدب الشقاق بينهم، وينتشر الحسد في قلوبهم، إلى الحد الذي يقتل فيه الأخ أخاه.
والقصة توضح أن ذلك الأمر يقع بين الناس لأسباب كثيرة، من أهمها:
1-
البعد عن منهج الله تعالى؛ لأن البعد عن منهج الله يجعل الإنسان ماديا، أنانيا، يعمل لنفسه فقط، ولا يرضيه قضاء الله إن تفوق عليه غيره.
2-
إهمال القيم الأخلاقية التي تدعو إلى المودة، والحب، والتسامح، والعفو؛ لأن إهمال هذه القيم يؤدي إلى الكراهية والعدوان.
3-
انتشار الجهل؛ لأن الجهل يجعل صاحبه لا يعرف الحقيقة، وربما تصور العدل ظلما وهو لا يعرفه، ولعل لصاحبه عذرا، وهو يلومه.
4-
عدم غلق أبواب الشيطان للولوج إلى النفس؛ لأنه يوسوس بالعدوان، ويزين الضرر، وفتح الأبواب أمام الشيطان فرصة ينتهزها إبليس وجنوده.
5-
عدم تسوية الآباء بين أبنائهم، وقد رأينا كيف فعل الشيطان بقابيل، وبإخوة يوسف عليه السلام.
الحقيقة الثانية: "طلب الرئاسة"
نرى في قصة يوسف عليه السلام أنه طلب الرئاسة، وزكى نفسه؛ لينال ما طلب، وذلك في قوله تعالى:{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} وهذا الواقع يؤدي إلى التساؤلات الآتية:
- كيف زكى يوسف نفسه؟
والله تعالى يقول: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} 1.
- وكيف يطلب الرئاسة لنفسه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إنا لا نولي هذا الأمر من سأله، ولا من حرص عليه" 2، ويقول لعبد الرحمن بن سمرة:"لا تسأل الإمارة" 3؟
- وكيف يطلب يوسف الإمارة من سلطان كافر؟!
- ولِمَ ترك يوسف الاستثناء حيث قال: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} ؟ ولم يقل: إن شاء الله؟
- وهل يجوز لأي مسلم أن يطلب الإمارة لنفسه، كما فعل يوسف عليه السلام؟
وللوقوف على الرأي في هذه التساؤلات، علينا أن ندرك أن المجتمع البعيد عن الدين يعلو فيه الفاسق، ويختفي فيه المؤمن، وحينئذ فلا مانع من أن يبرز المؤمن صفاته ليستفاد به، وقد علم يوسف أن إصلاح شأن الناس واجب عليه، وإيصال الحق لذويه، ومن هنا طلب القيادة، وزكى نفسه، لإصلاح المجتمع، وتبليغ دعوة الله تعالى.
ولا مانع من طلب الرئاسة من سلطان كافر؛ لأنها لن تنال إلا من هذا الطريق وقد ترك يوسف الاستثناء في حديثه، حتى لا يتصور الملك عجز يوسف؛ لأنه لا يفهم معنى الاستثناء المقصود، ومن الممكن تصور أن يوسف عليه السلام استثنى في نفسه.
وطلب الرئاسة في الجو الذي طلبها فيه يوسف ضرورة دينية؛ لأن الجماهير لا تتحول إلى الدين الحق، إلا إذا سلمت أمامها مؤسسات التوجيه، وتلاقت في طريق
1 سورة النجم آية: 32.
2 صحيح البخاري بشرح فتح الباري، باب ما يكره من الحرص على الإمارة ج13 ص125.
3 تفسير الرازي ج9 ص164.
واحد، تبني ولا تهدم، تشيد الخير، وتقوض الفساد ولا تتناقض الآراء لرواد المجتمع الواحد
…
وذلك لا يكون إلا بتولي يوسف الأمر كله، وقد تم له ما أراد، حيث ترك الملك له كل شيء، وتمكن يوسف من كل شيء.
وبهذا، لا لوم عليه في طلب الرئاسة، وتزكية النفس، وللمسلم أن يطلب رئاسة يقدر على الوفاء بها بطرق يرضى بها المجتمع الذي يعيش فيه، حتى إذا ما استجيب له يقوم بدوره مع الناس متآلفا، ودودا.
الحقيقة الثالثة: "تمني الموت"
في نهاية قصة يوسف عليه السلام نقرأ قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} 1.
فقد سأل عليه السلام ربه حينما تمت النعمة عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وبما من الله عليه بالنبوة والملك
…
دعا ربه أن يديم عليه نعمته في الآخرة، وأن يتوفاه مسلما، وأن يلحقه بالصالحين من إخوانه النبيين والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه.
والسؤال هنا:
هل يجوز ليوسف عليه السلام أن يتمنى الموت وهو صحيح؟
وهل يجوز لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم هذا التمني؟
إن تمني الموت لا يجوز مطلقا، لا ليوسف، ولا لأي مسلم آخر.
ولذلك قال المفسرون: إن يوسف عليه السلام طلب ذلك حين حضرته الوفاة، أو إنه طلب من ربه أن يتوفاه على الإسلام يوم يحين أجله، وذلك كما يقول الرجل وهو يدعو: اللهم أحيني مسلما، وأمتني مسلما.
1 سورة يوسف آية: 101.
وما ذهب إليه المفسرون أولى من قول بعضهم: إن ذلك كان جائزا في شريعة يوسف عليه السلام.
ومن المعلوم أن حياة الرسل للدعوة، فإذا ما تمت يقترب أجلهم، لقد شعر الصحابة بقرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قول الله تعالى:{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} 1، ولما نزلت سورة النصر سُر الصحابة وبكى ابن عباس، ولما سئل قال: هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي شريعة الإسلام لا يجوز للمسلم أن يتمنى الموت؛ لأن الموت يقطع العمل، وأما الحياة فإنها فرصة المؤمن يزداد بها خيرا، في شكره النعم، أو صبره على البلاء.
وإذا تعرض المسلم لضر أو أذى، فإن الله سبحانه وتعالى يجيز له الهجرة نصرة لدينه، يقول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} 2.
ومن هنا فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت، حيث قال:"لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كان الموت خيرا لي"3.
أما إذا عمت الفتنة ولم يجد المرء لنفسه خلاصا منها، فإنه يجوز له أن يتمنى الموت؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته، لما رأى أن الأمور لا تجتمع
1 سورة المائدة آية: 3.
2 سورة النساء آية: 97.
3 صحيح البخاري بشرح فتح الباري، باب الدعاء بالموت ج11 ص150.
له، ولا يزداد الأمر إلا شدة قال:"اللهم خذني إليك فقد سئمتهم، وسئموني"، وقال البخاري رحمه الله لما وقعت له الفتنة، وجرى له مع أمير خراسان ما جرى، قال:"اللهم توفني إليك".
وفي الحديث الصحيح: "إن الرجل ليمر بالقبر -أي: في زمن الدجال- فيقول: يا ليتني مكانك"؛ لما يرى من الفتن، والبلايا، والأمور الهائلة1.
الحقيقة الرابعة: عدم تعجل النتيجة
أوحى الله إلى يوسف وهو في الجب بما سيئول إليه أمره، وطال به الزمن، ولما جاءه إخوته، لم يتعجل إظهار الحقيقة، وإنما تدرج في الظهور لأخيه، وإخوته، وأبيه، وذلك أمر حسن في شئون الحياة الدنيا.
أما في شئون الدين فهو أشد حسنا، وأعظم أثرا؛ لأن التربية الهادئة المركزة تبني المبادئ على أساس متين، وتجعل البناء صلبا يتحمل الأنواء، والأعاصير، والزلازل.
والدين يواجهه أعداؤه في كل عصر ومصر؛ ولذلك لزم أن يكون قوي البناء متين الدعائم
…
وأيضا، فإن تعجل النتيجة والأثر، لا يحقق النتيجة المأمولة، وكثيرا ما يؤدي إلى التصادم، والانفعال، والعصبية، وهذا أمر لا يفيد الدعوة إلى الله تعالى.
1 تفسير ابن كثير ج2 ص492.