الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3-
حركة إبراهيم بالدعوة مع عبدة الأصنام:
كانت الأصنام من معبودات قوم إبراهيم، اتخذوها آلهة، ووضعوا لها طقوسها يتقربون بها، معتقدين أنها تضر وتنفع، وأقاموا لها المعابد والبيوت، وزينوا الأصنام والأوثان؛ ليقصدها الناس عابدين، راجين.
وكانت الأصنام والأوثان صناعة رابحة، وتجارة مثمرة، وقد رأينا أن آزر كان يصنعها، ويتاجر فيها.
وكما واجه إبراهيم أباه بالدعوة، وكما واجه الملك بالحجة، واجه قومه كذلك، فدعاهم إلى التوحيد، ونبذ عبادة الأصنام والبعد عن الضلال والكفر.
وقد اتبع إبراهيم عليه السلام في دعوة عبدة الأصنام منهجا دقيقا، محكما
…
بدأ عليه السلام بعرض أصول الدعوة، وإظهار المطلوب منهم بإيجاز، قال لهم:{اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 1.
وبذلك حدد قضيته معهم في كلمات قصيرة، وبين لهم أنها الخير لحياتهم ومستقبلهم، فخيرية التوحيد حقيقة بينة، لكل من له عقل ينظر به إلى المخلوقات بتدبر ونظر.
ثم انتقل إلى استثارة عقولهم، وإيقاظ الجانب الإدراكي المعرفي لديهم، وذلك بالسؤال الذي يجعلهم يفكرون في إجابته ولو لأنفسهم، قال لهم:{مَاذَا تَعْبُدُونَ} ؟ 2، {مَا تَعْبُدُونَ} ؟ 3، {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} ؟ 4.
1 سورة العنكبوت آية: 16.
2 سورة الصافات آية: 85.
3 سورة الشعراء آية: 70.
4 سورة الأنبياء آية: 52.
إن هذا السؤال يبحث عن معرفة حقيقة الآلهة، وقدرتها، ومدى صلاحيتها لأن تؤله وتعبد، لكن القوم هربوا من الإجابة، وردوا على إبراهيم بأنها مواريث الآباء، وأنهم مقلدون لهم، قالوا له:{وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} 1، {وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} 2.
فانتقل بهم إلى أسئلة أخرى لكشف عجز الأصنام والأوثان، حتى يبعدهم عن تأليهها، وعبادتها، قال لهم: قال تعالى: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} ؟ 3، {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} ؟ 4، {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} ؟ 5.
وهذه الأسئلة تشير للإجابة البدهية التي تؤكد هوان معبوداتهم، وضلال معتقدهم، وخطأهم؛ لأن ما يصنعه الإنسان بيده حادث، ولا يجوز أن يكون الحادث المصنوع إلها أبدا.
وكذلك فمن الأمور المسلمة لديهم أن الأصنام والأوثان، لا تسمع، ولا تبصر، ولا تشعر، إنها لا تضر، ولا تنفع، فهي جماد لا يتحرك، صماء لا تعقل، عاجزة عن فعل أي شيء مهما كان ضئيلا، فكيف بعد ذلك تعبد من دون الله تعالى؟
ومرة أخرى يحاولون صرف إبراهيم عن قضية رسالته، فيقولون له:{أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} 6.
والمقلدون في مقالتهم هذه يتصورون إبراهيم عليه السلام لاهيا، عابثا، يلعب معهم بمقالته لهم، وليس هو كذلك أبدا!!
1 سورة الأنبياء آية: 53.
2 سورة الشعراء آية: 74.
3 سورة الصافات آية: 95.
4 سورة الشعراء الآيات: 72، 73.
5 سورة الأنبياء آية: 66.
6 سورة الأنبياء آية: 55.
يقول الزمخشري: "ما أقبح التقليد، وما أعظم كيد الشيطان حين يستدرج المقلدين إلى تقليد آبائهم في عبادة الأوثان، وهم يعتقدون أنهم على شيء، مجادلون لأهل الحق عن باطلهم"1.
فانتقل عليه السلام بعد ذلك إلى التفصيل في بطلان عقيدتهم؛ لأن الإله المعبود يجب اتصافه بالحياة، والسمع، والبصر، والعلم، والإرادة، والقدرة، وبكافة صفات الكمال ليسمع الدعاء، ويجيب المضطر، ويرزق الناس، ويسير الكون كله بإرادته وقدرته، ويعلم كل شيء مهما كان خافيا، ويملك أمر الدنيا والآخرة؛ ليصرف الحياة، ويحاسب الناس، ويجازي المحسن بإحسانه خيرا، ويعاقب المسيء على إساءته عذابا وضرا.
تؤكد البداهة العقلية ضرورة تميز الإله الحق بهذه الصفات؛ ولذا وضح إبراهيم لقومه أن أصنامهم لا تملك أية صفة من هذه الصفات، قال تعالى:{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 2.
فبين لهم عليه السلام بأن معبوداتهم مصنوعة بأيديهم، واتخاذها آلهة تعبد بأسماء معينة من اختراعاتهم وأكاذيبهم، وهي لا تملك عطاء، ولا تقدر عليه، وهي في وجودها محتاجة لغيرها.
فكيف تعبد إذًا؟!! ولِمَ تخشى وتتقى إذًا؟!!
إن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق، يدعوهم إبراهيم إلى عبادته وحده، ونبذ كافة الشركاء من دونه؛ لأنه سبحانه متصف بكل كمال يليق به، فهو سبحانه وتعالى
1 تفسير الكشاف ج2، ص575.
2 سورة العنكبوت آية: 17.
- الخالق لكل موجود، فهو:{رَبِّ الْعَالَمِينَ} 1، {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} 2.
- وهو صاحب الفضل والإنعام على كل مخلوق، فهو:{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} 3، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 4.
- وهو الذي يستحق العبادة وحده؛ لتدوم النعم وتزيد: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 6.
ومع كل هذا التوضيح والبيان، تمسك القوم بأصنامهم، وأصروا على ضلالهم، وتيقن إبراهيم عليه السلام أن القوم منصرفون عنه وعن دعوته، فترك
1 سورة الشعراء آية: 77.
2 سورة الأنبياء آية: 56.
3 سورة الشعراء الآيات: 78-80.
4 سورة الصافات آية: 96.
5 سورة الشعراء الآيات: 81-89.
6 سورة العنكبوت آية: 17.
حوارهم، ومواجهتهم، ولجأ إلى إثبات عجز الأصنام عمليا عسى أن يكون العمل أجدى من مجرد الكلام لو كانوا يعقلون. وخطط لما أراد، يقول الله تعالى عن خطة إبراهيم تلك:{فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ، مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} 1، وقال تعالى:{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} 2.
والآيات تبين ما فعله إبراهيم عليه السلام فقد أقسم للناس وأكد لهم أنه سيكيد للأصنام بعد رجوعهم إلى بيوتهم، فلما رجعوا إلى بيوتهم ذهب إبراهيم إلى بيت أصنامهم ووجد عندها طعاما تركه القوم للآلهة تأكل منه، وتباركه، فقربه إبراهيم للأصنام، مستهزئا، ساخرا وهو يناديهم: ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟ ثم أحضر فأسا وكسر بها أصنامهم، وقطعها جذاذا إلا كبيرهم، فقد تركه، وعلق الفأس برقبته؛ ليؤكد لهم عمليا فساد عقيدتهم، وهوان آلهتهم؛ لأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تعقل ولا تنطق، ولا تدفع عن نفسها شيئا
…
!!
وفوجئ الناس بتكسير الآلهة، وعظم الفعل على جهالة الجبابرة، فعزموا على أن ينتقموا لأصنامهم من هذا الجاني الذي أهان دينهم، وكسر أصنامهم، ووضعهم في حال ضعف وضياع.
وبدل أن يراجعوا أنفسهم، ويتركوا عبادة الأصنام؛ لأنها لو كانت آلهة حقيقية لحفظت نفسها، وهزمت هذا المعتدي، ولأخبرتهم بهذا الذي بيّت لها ولهم، بدل هذه المراجعة أخذتهم العزة بالإثم، واجتهدوا في كشف الفاعل ومعاقبته.
…
وكانت محاكمة إبراهيم عليه السلام بواسطة سلطة الضلال
…
1 سورة الصافات الآيات: 91-93.
2 سورة الأنبياء الآيات: 57، 58.
سألوا الناس عن فاعل هذه الجريمة؛ لمعاقبته على فعلته الشنيعة الظالمة، وطلبوا من الجمهور أن يبلغهم بالمجرم إذا علموا عنه شيئا، فأجاب الناس بأن شخصا يسمى إبراهيم يذكر هذه الأصنام بسوء، ولا يعترف بألوهيتها، ويدعو إلى نبذ عبادتها.
فجمعوا الناس، وأحضروا إبراهيم أمامهم؛ لينال العقوبة على رءوس الأشهاد، وحتى يكون عبرة لهم جميعا.
وبدأت المحاكمة:
سألوا إبراهيم عليه السلام: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} 1؟
أجاب عليه السلام وهو يشير للأصنام بالأصبع الأكبر بيده اليمنى، قال تعالى:{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} 2.
فتحيّر الملأ، وعجزوا عن الرد، وفقدوا الجواب أمام الجماهير المحتشدة، وتداولوا في الأمر، واعترفوا بهوان الأصنام، لكن إبليس دفعهم بالعزة الآثمة، وقوّى فيهم الضلال والهوى، فردوا على إبراهيم بإجابة تؤكد ما ينادي به، وتعترف بدليله، ومع ذلك لم يؤمنوا، قال تعالى:{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} 3.
ووجد إبراهيم عليه السلام نفسه في موقف مفيد للدعوة حيث الجماهير تتابع، وتسمع، والملأ المعارض يعترف بأن الأصنام لا تنطق، وبالتالي فهي لا تسمع، ولا تنفع، ولا تضر.
1 سورة الأنبياء آية: 62.
2 سورة الأنبياء آية: 63.
3 سورة الأنبياء آية: 64، 65.
هنا أخذ إبراهيم عليه السلام يعلن خطأهم، ويعلي دعوة الحق أمامهم، قال عليه السلام:{قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} 1.
أسقط في أيديهم، ولما لم يتمكنوا من المواجهة لجئوا إلى الظلم والتحكم، شأن كل ظالم جبار يحمي سلطانه، وعزته، بقوة البطش والتخويف؛ لأن قوة العدل لا تسانده، وقوة الحق ليست معه، قال تعالى:{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} 2، وظنوا أنهم بهذا سيعلو شأنهم، وتحترم آلهتهم.
وإنما اختاروا القتل بالتحريق ليساهم الجميع في القتل، ولأنه أكثر إيلاما من القتل بوسائل أخرى، وحتى يكون مشاهدا للقاصي والداني، وجندوا الرأي العام بمختلف وسائلهم
…
وبنوا بناء ضخما، وجمعوا الحطب، وصبوا عليه الزيت، وأشعلوا النار، وأحضروا المنجنيق وقذفوا به إبراهيم بعد أن قيدوه، وربطوه.
وهكذا أحكموا الكيد والتدبير
…
يذكر الزمخشري في الكشاف أن القوم لما أرادوا إحراق إبراهيم حبسوه شهرا، وبنوا بيتا عاليا كالحظيرة، وجمعوا أصناف الخشب الصلاب، وملئوا الرأي العام بكراهية إبراهيم حتى إن المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم، وصار كل شخص يقول لأخيه: اقتلوه أو حرقوه، ثم أشعلوا نارا عظيمة كادت الطير تحترق في الجو من وهجها، ثم وضعوا إبراهيم في المنجنيق مقيدا، مغلولا، ورموه في النار3.
لكن الله غالب على أمره، فرد كيدهم في نحورهم، وكشف عوراتهم
قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} 4.
1 سورة الأنبياء الآيات: 66، 67.
2 سورة الأنبياء آية: 86.
3 تفسير الكشاف ج2، ص578.
4 سورة الأنبياء آية: 69.