الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد رأينا نوحا عليه السلام يستمر في دعوته ألف سنة إلا خمسين عاما، ولم يفر من ملاقاة الناس إلا بعدما أمره الله تعالى.
وإبراهيم عليه السلام هاجر بأمر ربه بعد أن نجاه الله من النار، وفي قصة يونس درس في هذا المجال، فلقد ترك يونس القوم مغاضبا وفر إلى الفلك، فأدبه الله تعالى حتى أقر بالخطأ، وتاب إلى الله، فلما تاب أعاده الله سبحانه إلى ما كان عليه.
الركيزة الثانية: الإخلاص في العبودية
يحتاج القائمون بأمر الدعوة إلى قوة تعينهم على مهام الدعوة ومشاقها، وتساعدهم في الوصول إلى القلوب والعقول، وليس هناك إلا الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه العليم بالقلوب والخفايا، والقادر على تسخير الوجود كما يشاء، والهدى هداه، يوفق من يشاء للطاعة، ويحرم من يشاء من التقى والرشاد.
ولذلك كانت حاجة الدعاة ماسة في نوال عون الله وتوفيقه، ولا يتم لهم ذلك إلا بإخلاص العبودية، والالتزام بحق المعبود في كافة الأحوال، والأقوال، والأعمال
…
وبذلك يتمكن من القيام بواجب الدعوة، أما إذا أهمل الله في حياته، وعاش بعيدا عن الطاعة لله، فإنه يضر دعوته، وفاقد الشيء لا يعطيه، والظل يعوج باعوجاج أصله.
إن الداعية يعمل لتحويل وجهة العباد إلى الله تعالى، ولا بد أن يكون في مقدمة المتوجهين، وبذلك يكون داعية بقوله، وعمله، وخلقه.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى سبب قبول توبة يونس عليه السلام يبين الله ذلك، فيقول سبحانه وتعالى:{فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} 1.
1 سورة الأنبياء الآيات: 87، 88.
وفي هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه، كما أجاب يونس، وينجيه كما نجاه، وهو قوله:{وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} 1.
يروي أبو داود في سننه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دعاء ذي النون في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين" لم يدعُ به رجل مسلم في شيء قط إلا استُجيب له"2.
يقول الدكتور عبد الحليم محمود: "لقد كان يونس عليه السلام مسبحا، أي: منزها لله تعالى، نادى ربه بدعوة في غاية الحق، إنها:
أولا: توحيد: "لا إله إلا أنت".
وثانيا: تنزيه: "سبحانك".
وثالثا: اعتراف بالتقصير: "إني كنت من الظالمين"3.
ولعل أقوى ما يربط العابد بربه مداومة الذكر، في تضرع وخشوع؛ لأنه بذلك يلتزم باب ربه، كسائل يلازم الباب لحاجته، فلا يلبث الباب إلا أن ينفتح، وينال مراده.... يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله!
قال صلى الله عليه وسلم: "ذكر الله تعالى".
فقال معاذ بن جبل: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله4.
ويقول صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده"5.
1 سورة الأنبياء آية: 88.
2 سنن أبي داود.
3 في رحاب الأنبياء والرسل ص126.
4 سنن الترمذي ج5 ص459.
5 سنن الترمذي ج5 ص460.