الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ودعوة الملأ إلى الله تحتاج إلى منهج خاص، يقدر العقل، ويناقش بهدوء، ويلتزم بحسن الخلق، ويؤكد على ما للملأ من أهمية، ومنزلة، حتى يدركوا أن دين الله يعطي أكثر من غيره، والفائدة الحقيقية في الطاعة، والاتباع.
3-
استسلام العامة:
والعامة هم الجمهور العريض من الناس، وهم الضعفاء الذين يعملون في خدمة الملأ، والسلطان، وقد جبلوا على الخضوع، وبرغم تملكهم للكثرة العددية، إلا أنهم ينتظرون دائما من يساعدهم، ويوجههم.
والعامة أصناف كثيرة، فمنهم أرباب الحرف، وأهل الصناعة، ورجال الزراعة، وطوائف المهن المختلفة.
ودعوة هؤلاء تحتاج إلى معايشتهم على تنوعهم، واختلافهم، والعمل على كسب ثقتهم، والدخول في دعوتهم شيئا فشيئا؛ لأن آذانهم تسمع من العلماء، ومن غيرهم
…
وأي استقامة لديهم تحتاج إلى رعاية، وحماية.... لأن الجبابرة الذين يستعبدونهم يعملون باستمرار على إضلالهم، وإقناعهم بما هم فيه من ضعة، وهوان.
كان فرعون يقول لهم: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} 1، ويقول عن موسى:{إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} 2، وكأنه ساع لمصلحتهم، عامل على رفعتهم، وسعادتهم.
وقد قص القرآن الكريم بعض حوارات الكبار والضعفاء من أتباع الرسل، فقال تعالى:{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} 3.
1 سورة القصص آية "38".
2 سورة غافر آية "26".
3 سورة الأعراف الآيات "75، 76".
وفي الآيات بيان لأخلاق الكبار، وهم الملأ، وغيرهم، حيث يسألون الضعفاء الذين آمنوا، منكرين عليهم إيمانهم، مستهزئين بهم، متهمين إياهم بالجهل، وعدم العلم، مع الإشارة إلى أن صالحا وربه لا يستحقون هذا الإيمان، وتصور الكبار أنهم بهذا سيصرفون الضعفاء عن الدين، فلما رد عليهم المستضعفون الذين آمنوا، وأخبروهم بأنهم آمنوا بصالح عليه السلام، رسولا، وبالله ربا، وبما أرسل به دينا صادقا، لما سمعوا ذلك عرفوهم بأنهم يكفرون بما آمنوا به، كأن سبب الكفر دخول المستضعفين في الإيمان.
ويقول الملأ من قوم شعيب للناس، ما حكاه الله تعالى:{وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} 1، حيث نراهم يخوفون بالبوار والخسران بسبب الإيمان، وفي وقاحة كاذبة، وضلال مبين.
ومع فرعون وقومه نرى التعاون المفسد بين السلطان، والملأ يقول تعالى:{وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} 2، وفي الآية نرى الملأ يأتون لسيدهم، يحرضونه ضد موسى؛ لأن موسى في نظرهم يفسد في الأرض، ويفرق الناس، ويدعو إلى ترك الآلهة، والبعد عن تألية فرعون، وهذا في نظرهم فساد، وخسران.... فيطمئنهم فرعون ويعرفهم بقراره الجديد، وهو قتل ذكور الإسرائيليين، وترك النساء، ويهدئ خواطرهم بالثقة في قوته القاهرة، وعلوه الكاذب.
1 سورة الأعراف آية "90".
2 سورة الأعراف آية "127".
وفي يوم القيامة حين تنكشف الحقائق يناقش المستكبرون والمستضعفون، وهم في العذاب، حول من كان سبب الكفر والضلال، يصور الله تعالى هذا النقاش، فيقول:{وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1، فنرى كل فريق يلقي باللوم على الفريق الآخر، يقول المستضعفون للمستكبرين: لولا أنتم لكنا الآن في الجنة بإيماننا.
فيرد المستكبرون: هل قهرناكم على عدم الإيمان، ووقفنا بينكم وبينه، إنكم كفرتم بإرادتكم، والكفر طبع فيكم.
فيوضح المستضعفون ما قام به المستكبرون معهم من حيل مخادعة، ومكر لئيم وتخطيط لتدعيم الكفر، واستمرارية في هذا الخداع والوسوسة.
يقول القرطبي: "والمستكبرون هم القادة والرؤساء، والمستضعفون هم الأتباع الذين استمروا على الكفر في الدنيا"2 لأن المؤمن عزيز بالإيمان، قوي بمعية الله، ولا يكون ضعيفا بعد الإيمان.
من هذه الحوارات نلمس أخلاق الناس
…
1 سورة سبأ الآيات "31-33".
2 تفسير القرطبي ج14 ص302.
فالقادة، يعارضون رسول الله إليهم دائما، ويظهرون للناس على أساس أنهم أصحاب حق، ولهم علم بحقائق الأمور، ويتهمون الرسول بكل ما ينفر الناس منه.
ونرى الملأ في خدمة سيدهم، يعملون له، ويساعدونه في المحافظة على ملكه وسلطانه.
والعامة ضعاف يسيرون في ركب قادتهم، ولا يتبينون الحق إلا بعد فوات الأوان.
إن الملأ هم الذين هددوا شعيبا بالطرد، يقول تعالى:{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} 1، وهم مع كل الرسل استعملوا هذا الأسلوب، يقول تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} 2.
وعلى القائمين بأمر الدعوة أن يدركوا حقيقة النفس البشرية، وطبيعة من سيقومون بدعوتهم ليتمكنوا من التعامل معهم بما يناسبهم.
إن نفس الإنسان مليئة بالطمع، وحب الذات، وقد رأينا ما كان من قابيل، وكيف أدت به الأنانية إلى قتل أخيه.... ورأينا ما كان من إخوة يوسف عليه السلام، حيث كذبوا على أبيهم، وحاولوا التخلص من أخيهم.
ومع هذا ففي الناس نفوس مشرقة، تحب الحق، وتعمل له، وكل ما تتمناه أن تعرفه، وتصل إليه، كما حدث من سحرة فرعون وزوجته....
وبالرجوع إلى حركة الرسل عليهم السلام بالدعوة لأقوامهم تتضح النفوس، وتعرف الطبائع، ويكن للدعاة أن يقوموا بعملهم في يسر ونجاح.
1 سورة الاعراف آية "88".
2 سورة إبراهيم آية "13".