الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قيل لها أدخلي الصرح الذي بناه الجن، فلما رأته حسبته ماء، فكشفت عن ساقيها، فنوديت أنه قصر من زجاج لا ماء به، فأقرت بواقعها، وأعلنت إسلامها، ورجعت عن ذنوبها، وآمنت مع سليمان لله رب العالمين، يقول تعالى:{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 1.
1 سورة النمل آية "44".
النقطة الخامسة: فتنة سليمان "عليه السلام
"
يتحدث المؤرخون عن فتنة سليمان "عليه السلام"، التي أشار الله تعالى إليها، في قوله:{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ، قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} 1، وذهبوا في تفسيرها مذاهب عديدة2، وأحسن ما قيل فيها أن هذه الفتنة فسرها الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري، بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة، على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسا، يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل ولم تحمل النسوة شيئا إلا واحدا، ساقطا أحد شقيه"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو قالها لجاهدوا في سبيل الله" 3، وألقى السقط على الكرسي درسا لسليمان "عليه السلام".
1 سورة ص الآيات "34، 35".
2 تفسير القرطبي ج15 ص198، 199".
3 صحيح البخاري بفتح الباري، كتاب الأنبياء باب ووهبنا لداود سليمان ج6 ص460.
وللحديث روايات أخرى في صحيحي البخاري ومسلم، وفي سنن النسائي، وصحيح ابن حبان، ومسند أحمد وغيرهم بنفس اللفظ إلا أنهم يختلفون في العدد، فالمقل منهم يذكر ستين امرأة، والمكثر يذكر مائة، ويتأول اختلاف العدد بأن بعضهم سرايا، والباقي مهيرات، وكان لسليمان "عليه السلام" ألف امرأة، بين مهيرة، وسرية1.
وصاحب سليمان رجل من الإنس، كان يستشيره، وقيل هو من الجن، وقيل هو من الملائكة، وفي عدم استجابة سليمان لنصيحته، تلك يقول العلماء إنها كانت في أثناء كلامه، فنسيها، أو أنه لم يسمعها، أو قالها صاحبه في نفسه بلا صوت.
ومعنى ألقينا على كرسيه جسدا، أن المولود الذي خرج ساقطا أحد شقيه، ألقى على كرسي سليمان ليراه، ويعلم خطأه في عدم استثنائه، بقوله: إن شاء الله.
وتفسير الفتنة بما جاء في الحديث أولى؛ لأن السنة نزلت لبيان القرآن الكريم، وأيضا فإن هذا التفسير يحافظ على عصمة النبوة، ويبعدنا عن الآراء التي لا يصح القول بها مطلقا.
ومن الآراء الباطلة ما يقال من أن الشيطان تمكن من سرقة خاتم سليمان "عليه السلام" أثناء قضائه لحاجته؛ لأنه كان لا يدخل به الخلاء، فأخذه من زوجته "الجرادة"، وصار للشيطان قوة سليمان، وعاشر نساءه، وكان لا يغتسل واستولى على الكرسي، والمملكة أربعين يوما حتى اكتشف أمره، فطار من الكرسي وألقى الخاتم في البحر، فابتلعته سمكة اصطادها سليمان عليه السلام فلما وجد خاتمه، استرد ملكه، وعاد لعرشه، ونسائه، ودينه، وقومه2.
1 فتح الباري ج6 ص460.
2 جاء ذكر الرواية مفصلة في كتب التفسير المختلفة، انظر تفسير ابن كثير ج4 ص35-37.
وهذا كلام باطل من وجوه:
1-
يعطي هذا الكلام القدرة للخاتم، وهذا لا يجوز لأن القدرة لله رب العالمين، وما قيمة ملك ونبوة يتحكم فيها خاتم؟!
2-
تشير الرواية أن الشيطان استمتع بنساء سليمان "عليه السلام" وهذا يتنافى تماما مع عصمة النبوة، ولا يصح القول بها.
3-
توضح هذه الرواية أن الشيطان تمثل بصورة سليمان، ولا يصح أن يتمثل بصورة النبي أبدا يقول صلى الله عليه وسلم:"من رآني في المنام فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي"1.
4-
حدد الله لإبليس سلطانه، وعرفه بأنه لا سلطان له على المخلصين، يقول تعالى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} 2
…
وسليمان عليه السلام من هؤلاء المخلصين الصادقين، يقول تعالى:{وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} 3، فكيف يتسلط عليه الشيطان إذا؟!
5-
القول بهذه الأكذوبة ينفي الحقيقة الدينية من أساسها؛ إذ كيف يتمكن الشيطان من القيام بدور النبي، ويستمر في الإفساد والإضلال مدة، فمتى يثق المؤمن إذًا في صدق الوحي المنزل؟!
إن صدق هذه الرواية يعطي الشيطان قدرة على إفساد جميع العلماء، والزهاد وعلى قدرته على تمزيق تصانيفهم، وتخريب ديارهم، وهذا لا يقول به أحد.
إن هذه الرواية باطلة، ولا يصح القول بها أبدا، يقول ابن كثير في سياق هذه الرواية منكرات، من أشدها ذكر النساء؛ لأن الله يعصم نساء أنبيائه تشريفا
1 شرح السنة للبغوي ج12 ص 226، باب تأويل رؤية النبي.
2 سورة الحجر آية "42".
3 سورة ص آية "40".