الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
الركيزة الثانية": "منهجية الدعوة إلى الله
"
بتتبع دعوة إبراهيم عليه السلام نستنبط خطة دقيقة، تصور منهجا كاملا في حركة الدعوة يعتمد المبادئ التالية:
1-
التخلية قبل التحلية:
يقصد العلماء بهذا المبدأ تطهير الإنسان ظاهرا وباطنا من صور الفساد، وألوان الضلال على اختلافها؛ ليتسنى له الانتقال إلى الصواب والهدى في أمن وهدوء؛ لأن الإنسان الواحد لا يجتمع فيه الأضداد حين تتحد جهاتها، فهو لا يكون كافرا ومؤمنا في وقت واحد، وبدين واحد.
وحينما يجمع الإنسان المتعارضين يصاب بالقلق والاضطراب، ولا يكون مخلصا لواحد منهما؛ ولذلك كانت إزالة الكفر وهو ما يعرف بالتخلية أولا أمرا واجبا، وبعده يغرس الإيمان وهو ما يعرف بالتحلية
…
إن الكوب الواحد لا يمتلئ بالنجاسة والطهارة معا في وقت واحد، وحتى نملأه بالماء الطاهر يجب أن ننظفه من الماء النجس أولا.
هذا المبدأ منهج أساسي عند علماء التربية، والنفس، والاجتماع؛ لما فيه من فائدة وأثر.
اتبع إبراهيم عليه السلام هذا المبدأ؛ ولذلك كان يبدأ مع من يدعوهم ببيان فساد ما هم عليه من دين، يقول الله تعالى:{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} .
ويبدأ مع عَبَدَة الكواكب بمجاراتهم في عبادتهم؛ لينتهي بهم إلى بيان فسادها
…
وبعد ذلك يدعوهم إلى الإيمان بالإله الحق الذي أرسله لهم.
2-
مراعاة أوليات لها أهميتها:
تتضمن عملية الدعوة جوانب عديدة، تحتاج من القائم بالبلاغ إلى معرفتها، فهناك موضوع الدعوة، وأساسياته: العقيدة، والشريعة، والأخلاق، وفي موضوع الدعوة تظهر أمور تحتاج إلى التركيز، وتفرض نفسها لأهميتها ليبدأ بها حامل الرسالة
…
وهناك المدعوّون، وهم طبقات وأفراد، وبعضهم أولى من غيره بدعوته أولا، وبعده يكون الآخرون.
كما توجد الوسائل والأساليب، وهي متنوعة، عديدة، إلا أن بعضها أحق بالبدء به من غيره
…
وهكذا.
ولذلك صار معلوما أن للدعوة أوليات يجب ملاحظتها بالبدء بالأهم، ثم بالمهم
…
وهكذا، وقد لاحظ إبراهيم عليه السلام هذه الأوليات فبدأ بها....
فلقد بدأ بدعوة الملك؛ لما له من مقام وتأثير في الناس، وخص أباه بالدعوة مع أنه واحد من عبدة الأصنام
…
ثم كانت بعد ذلك دعوته إلى الناس.
ومع موضوع الدعوة كان ينادي في الناس بالتوحيد الخالص؛ لأنه أول قضايا الدعوة وأهمها، ومن وحد أطاع واستسلم، ومن ناحية الوسيلة كان يبدأ بالمواجهة المباشرة، ثم يكون الاستفهام والجدل والمجاراة.
وكان عليه السلام يفضل استخدام الأساليب العاطفية التي ترقِّق القلوب، وتصنع الألفة والمودة، فيناديهم بقوله:{يَا أَبَتِ} ، {يَا قَوْمِ} ، وكان إذا يئس من إيمانهم يتبرأ منهم ومن آلهتهم، ويعلن لهم ضيقه وسقمه، ويكيد لهم ولأصنامهم، ويكسرها، ويهينها.
وحوادث القصة تشير إلى مراعاة الأوليات؛ لما لها من فائدة في الدعوة إلى الله تعالى.
3-
التوافق مع الواقع:
عاش إبراهيم عليه السلام مع الواقع وهو يدعو إلى دين الله تعالى، فهو عليه السلام يلاحظ ما للملك من مقام وسلطان، فلا يصطدم به ولا يماريه، وإنما يلجأ إلى دليل موجز مقنع لم يتمكن الملك من الرد عليه.
كان يمكن لإبراهيم عليه السلام أن يبين للملك ضعفه وعجزه وحاجته إلى خالقه
…
ومع ذلك تركه إلى ما ذكر من دليل مراعاة لوضعية الملك، وإرضاء لمنزلته
…
مع التزام بالحق، وتوافق مع الواقع.
وكان لإبراهيم عليه السلام مع أبيه نفس المسلك فلم يصرح بضلاله، ولم يصطدم مع مشاعره، وإنما وجه إليه عددا من الأسئلة في أسلوب رقيق، تبين مراده، وتحافظ على مقام البر بأبيه، وحتى حين أراد أن يواجهه بضلاله أشرك القوم معه، فقال:{إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .
إن التعامل مع الواقع فن يجب المحافظة عليه في كل وقت؛ لتتلاءم الدعوة مع كل زمان ومكان.