الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث العاشر: الحركة بالدعوة
مدخل
…
المبحث العاشر: الحركة بالدعوة
بعث الله رسله، لتبليغ دينه، وإرشاد الناس إلى ما يحقق مصلحتهم في الدنيا، وفي الآخرة.
وقد صنع الله رسله، وأمدهم بعونه، ومدده، ولم يتركهم لعقولهم، وأفكارهم.
لقد اختار الله رسله من البشر، وكلفهم بما يطيقه البشر، وهداهم للخلق الكريم، والسلوك الحسن فارتقت روحهم، وصاروا في الطاعة كالملائكة وفي العمل والسلوك عبادا صالحين، مطبقين للمنهج الإلهي المستقيم.
وقد أمد الله رسله بعدما كلفهم بالرسالة، بكل ما يحتاجون إليه، وبكل ما تحتاجه الرسالة.
عرفهم الله بالدين، أصوله، وفرعوه، مفصلا في الجوانب التي لا بد للتفصيل معها، ومجملا في القضايا التي يكفي معها الإجمال.
والدين مجموعة من الحقائق المتضمنة لمنهج إصلاح الحياة، والأحياء، تحتاج دائما إلى من يوصلها للناس بمنهج دقيق، ووسيلة صحيحة، وأسلوب يتلاءم مع الناس ومن المعلوم أن الحقيقة لا تتحرك بذاتها، ولا يهتم بها أحد إن بقيت في أسفار مغلقة، أو في ثنايا عقل صامت، ومن المعلوم كذلك أن الحقيقة إذا حملها منهج عقيم لا تصل لأحد، وربما وصلت على غير وجهها الصحيح.
إن العروس إذا لم تتزين لا تعرف، وإذا تزينت بزينة سافرة، تسيء لنفسها، وتجمع حولها صعاليك البشر.
ومن هنا:
أكرم الله رسله فعرفهم بالمنهج المناسب لدينه، وهداهم للوسائل الملائمة لهديه، وبذلك صار الرسل قدوة في التدين، والمنهج، والوسيلة، والأسلوب.
إن الله تعالى لم يترك منهج الحركة للرسل يتصرفون فيه باجتهادهم، بل أنزله عليهم، كما أنزل دينه، بوحي ثابت مقرر.
لو نظرنا إلى قصص القرآن الكريم، وهو يتناول دعوات الرسل عليهم السلام نلاحظ أنهم جميعا ساروا في خط واحد.
فكلهم: جاء لقومه بعد انحرافهم عن التوحيد، وضلالهم في عبادة غير الله.
وكلهم: ركز في دعوته على التوحيد الخاص، وضرورة قصر العبادة لله تعالى.
وكلهم: عاش بين قوم ضالين، متمسكين بما هم فيه، من كفر وضلال.
وكلهم: استمر في دعوته حتى اتضحت طبيعة الناس، وعاقب الله المكذبين بالإهلاك، ونجى المؤمنين من العذاب الأليم. خط الجميع واحد، ومنهجهم في الدعوة واحد أيضا.
وحينما يكون الرسل هم قدوة المؤمنين، والدعاة، وهو واجب، فإن الأمر يلزم الدعاة باتباع منهج الله في تبليغ دين الله للأسباب التالية:
أ- المنهج الإلهي في التبليغ هو المنهج الملائم للفطرة؛ لأنه من الله الخالق للناس، والخالق عليم بمن خلق، وحين يحدد منهج خطابه، فهو بلا شك خطاب مناسب.
ب- المنهج الإلهي في التبليغ كما هو مناسب للفطرة، هو مناسب للدين نفسه، وبه يحدث التناسب، والانسجام.
ج- إن منهج الله في التبليغ يجعل الدعاة في ثقة وهم يسيرون على خطى الرسل عليهم السلام، كما يدفعهم إلى التحمل، والصبر، وهو يواجهون أعداء الله في الأرض، الذين لا يتغيرون في مسلكهم، وعداوتهم، وإن تغير الزمان، وتغير المكان، يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} 1، ويقول تعالى:{يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} 2 ويقول تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} 3.
إن المنهج الإلهي منهج واقعي، بمعنى اعترافه بالواقع، والتعامل معه، لا ليقبله ولكن ليصححه، ويربطه بتعاليم الدين.
وهو منهج يتعامل مع الإنسان، ويحاول تحريك قلبه، ولسانه، وجوارحه، ولذلك فهو لا يبقى في المجال النظري، وإنما يستمر حتى يكون منهجا عمليا، يعيشه الناس في حياتهم ومناشطهم.
وحينما نحاول استنباط أهم ملامح منهج الرسل، ووسائلهم وأساليبهم، فإني أكتفي بكلمات موجزة حيث سبق تناول هذه القضايا خلال دراسة تاريخ الرسل.
1 سورة المطففين الآيات "29-32".
2 سورة آل عمران آية "114".
3 سورة البقرة آية "109".