الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا: يوسف في السجن
بعدما ظهرت براءة يوسف، رأى العزيز سجنه مدة، يتصور الناس بها براءة زوجته، وإدانة يوسف فيما اتهم به.
والتقى في السجن بصنوف من الناس، وتعامل معهم بخلقه وطهارته، واشتهر بينهم بالأمانة، وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، ومعرفة التعبير، والإحسان إلى المسجونين بعيادة مريضهم، والقيام بحاجاتهم فأحبوه، وأخذوا برأيه ومشورته1.
ودخل السجنَ فتيانِ أحدهما ساقي الملك، والثاني خبازه؛ لأنهما اتهما بمحاولة دس السم للملك في طعامه وشرابه، ولما لقيا يوسف تعارفا عليه، وتعلقا به كسائر الترلاء
…
ثم إن كلا منهما رأى مناما وجاء إلى يوسف ليؤوله له.
رأى أحدهما أنه يعصر للملك عنبا، وكانوا يسمون العنب خمرا، ورأى الثاني أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه، وطلبا من يوسف عليه السلام أن يؤول لهما ما رأيا لما يعرفان عنه من الصدق، والعلم، والتعبير.
وكان يمكن ليوسف أن يعرفهما بتأويل ما رأيا مباشرة، لكنه عليه السلام وجدها مناسبة حسنة للدعوة إلى الله تعالى.
قال للرجلين: إنه يعرف تأويل الرؤيا، وسيخبرهما بما سيئول إليه أمرهما، وعلى أي تدل أحلامهما، وسيرد على استفتائهما، وقدم لهما برهانا على مدى معرفته، وهو أن يخبرهم بطعامهم قبل أن يجيء إليهم، وذلك أمر عجيب يدل على معرفته المعجزة، وأخبرهم بطعامهم قبل أن يأتيهم، وصدق في قوله لهم، وأخذ في بيان سر معارفه،
1 تفسير ابن كثير ج2 ص477 بتصرف.
وهذا أمر يجعل الفتيين يفكران في حقيقة هذا الرب، الذي علم يوسف هذا العلم، وجعله يتميز عن سائر الناس، إنه علم غيبي نافع، وكأني بهم يسألون: من هذا الرب؟ وهل هو غير إله المصريين، ومن أتباع هذا الرب؟
يتابع يوسف عليه السلام حديثه عن دينه فيقول للفتيين، ما حكاه الله تعالى:{إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} 2.
فيعرف مستمعوه من مقالته أنه ليس على دين الرعاة؛ لأنهم لا يؤمنون بالله حقا، ولكنه على دين آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهم الرسل المشهورون بالصدق، وتعليم قومهم الدين الحق.
وعرفهم أن دينه ودين آبائه يقوم على التوحيد، وإبطال الشرك، وعبادة الله وحده؛ لأنه لا يليق بعاقل أن يعبد آلهة يتخذها من الحجر، أو الشجر، أو المعادن، أو من غيرها.
وأخذ يوسف بعد ذلك في بيان أدلة التوحيد، وأدلة إبطال الشرك بصورة مقارنة وسهلة، قال لهم كما قال تعالى:{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} 3.
1 سورة يوسف آية: 37.
2 سورة يوسف الآيات: 37، 38.
3 سورة يوسف آية: 39.
وهو سؤال إنكاري يحمل مراد يوسف، فالله الذي أعبده واحد، ذل كل شيء لعز جلاله، وعظمة سلطانه، بينما الآخرون يتخذون عددا من الآلهة لا تضر أبدا، ولا تنفع مطلقا، فأيها أحق بالعبادة: إله واحد قادر، أم آلهة متعددون لا تنفع ولا تضر، ولا تملك من أمر نفسها شيئا؟ قال لهم ما حكاه الله تعالى:{مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} 1.
فالله وحده صاحب السلطان، والقدرة، والبراهين تشهد له، بينما آلهة القوم من اختراعات الناس، وأكاذيبهم، وعليهم أن يعلموا أن القضاء، والتصرف، والحكم بيد الله، والملك كله له يفعل ما يشاء ويريد، وعليهم أن يعلموا بضرورة التلازم بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وذلك يقضي بتوجه العبد لله بالعبادة والرجاء؛ لأنه النافع الضار، وليس للآلهة المزعومة شيء من ذلك أبدا، فكيف تكون آلهة مع الله؟!
وبذلك ختم دعوته مبينا أن الدين الذي يعرفهم به هو الدين الحق، وهو الصراط المستقيم، الخالي من العوج، الذي يسعد صاحبه ويكتب له الخير في الدنيا وفي الآخرة، ويلاحظ أن يوسف عليه السلام استفاد من تقدير الناس له، فجعله سببا وصلة إلى دعائهم إلى التوحيد، والإسلام، وبخاصة بعدما لمح من سجية الفتيين حب الخير، والإنصات له، والإقبال على دعوته2.
1 سورة يوسف آية: 40.
2 تفسير ابن كثير ج2 ص479.
ويبدو أن يوسف عليه السلام كان يباشر الدعوة داخل السجن ويطبقها عمليا؛ ولذلك رأينا تحول المجتمع إلى دين يوسف عليه السلام، يدل على ذلك قول امرأة العزيز قبيل خروج يوسف من السجن، كما حكاه الله تعالى:{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1.
إنها تصور الله بصفاته، فهو الذي يهدي، وهو الرحمن، وهو الغفور الرحيم، وكل هذه صفات يقر بها المؤمنون بالله.
وبعد أن عرض على أصحابه دعوته، عبر لهما الرؤيا، ودلّهما على ما تشير إليه، وهي أن من رأى نفسه يعصر خمرا، فسوف يخرج من السجن، ويعود إلى سيده ليسقيه خمرا كما كان، وأما الثاني فسوف يعاقب بالصلب، ويترك حتى تأكل الطير من رأسه، ورغبة في الخروج من السجن، قال يوسف للفتى الذي ظن أنه ناجٍ من الموت: اذكرني عند الملك، وحدثه عن براءتي، عسى أن يتذكر، ويصدر قرارا بالإفراج عني
…
لكن الملك لم يتذكر، والفتى الناجي لم يذكر، فلبث يوسف في السجن بضع سنين، قال تعالى:{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} 2.
ولما أراد الله إخراج يوسف من السجن أجرى الحوادث نحو مراده سبحانه وتعالى بحكمة ودقة، فرأى الملك رؤيا فزع منها، رأى:{سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} 3، وطلب من
1 سورة يوسف الآيات: 52، 53.
2 سورة يوسف آية: 42.
3 سورة يوسف آية: 43.
وزرائه، وأولي الأمر عنده أن يفسروا له ما رأى، فردوا عليه بأن ما رأى ليس حلما، وإنما أخلاط في الدم، وأغاليط يراها النائم انعكاسا لظروف نفسية وحياتية؛ ولذلك فليس لها معنى تدل عليه، إنها أضغاث أحلام.
هنا يتذكر ساقي الملك الذي نجا، وخرج من السجن، يتذكر صاحبه يوسف، وما عرف به من قدرة على التأويل، وعلم بالتعبير، فيخبر الملك بتمكنه من تعبير هذه الرؤيا؛ لأنه يعرف رجلا في السجن عنده علم بالتعبير، هو يوسف، قال لهم الساقي:{أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} 1، فأعدوا له العدة، وأرسلوه إلى يوسف في سجنه، وسهلوا له مقابلته، وجاء الساقي إلى يوسف وطلب منه متلطفا وقال:{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} 2، ناداه باسمه العلم، وبالصفة التي عرف بها بين كل من عامله، وهي الصدق، وطلب تعبير رؤيا الملك، وقصها عليه بالتفصيل، ففسرها له يوسف عليه السلام وعرفه أن البقرات السبع السمان، والسنبلات السبع الخضر، عبارة عن سبع سنوات متصلة يعملون فيها بجد واجتهاد، ويرزقون خلالها ثمرا طيبا، وقمحا وفيرا، وعليهم أن يأخذوا ما يكفيهم، ويدخروا الباقي في سنبله حتى لا يصاب بالسوس؛ لينفعهم خلال سبع سنوات تعقب السبع الأولى، حيث فيها تجدب الأرض وينقطع المطر، ويشتد الأمر على الناس، فيأكلون مما ادخرتم لهم في السنوات السبع الأولى.
وبعد ذلك تأتي سنة يعم خيرها، ويتنوع ثمرها، ويفيض ماؤها، ويكثر نتاج الزرع والضرع، ويعودون خلالها إلى ما كانوا يعصرون من قبل، لكن الأمر يحتاج إلى تعامل دقيق، ورعاية حكيمة، طوال هذه المدة.
1 سورة يوسف آية: 45.
2 سورة يوسف آية: 46.
يحكي القرآن الكريم عرض الرجل رؤيا الملك على يوسف، فيقول سبحانه:{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} 1.
كما يحكي القرآن الكريم تفسير يوسف لهذه الرؤيا، فيقول سبحانه:{قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} 2.
يعود الساقي إلى الملك بتأويل الرؤيا، فيسر الملك بهذا التفسير، لكنه يقف أمام بعض التساؤلات:
- الرؤيا تشتمل على سبع صالحات، وسبع طالحات، وتفسيرهما بالوفرة والجدب أمر مسلم، لكن من أين جاء الحديث عن السنة التي يكون فيها المطر والعصير؟
- وأيضا إذا كان الماء والمطر سببا لكل حياة، فلم عودة الناس إلى ما كانوا يعصرون على وجه الخصوص؟
- من أين جاء يوسف بعلم تعبير الرؤيا دون الآخرين، وقد نشأ بينهم، وتعلم علومهم؟
- ومع تسليم الملك بصدق التعبير، فإنه رأى أن الأمر يحتاج إلى إدارة حكيمة، وأمينة، تسير بالمجتمع إلى الخير، وفق الخطة التي رآها في حلمه، وكما فسرها لهم يوسف عليه السلام.
فكر الملك في كل هذا، ورأى تميز يوسف بالعلم، وإخلاصه في النصح وما كان لمثله أن ينصح وهو مسجون ظلما، لكنه عليه السلام نصح مخلصا؛ لينقذ
1 سورة يوسف آية: 46.
2 سورة يوسف الآيات: 47-49.
المصريين وغيرهم، من سنوات القحط، والجوع.
ويبدو أن الملك كان على شيء من دين سماوي، وكان قد سمع عن نشاط يوسف عليه السلام في دعوة الناس داخل السجن، فصدق بكل ما سمع، ورأى أن يكل الأمر ليوسف؛ ليدير شئون الزراعة، وتوزيع الميرة، في أرض وادي النيل، ويتولى خزائن مصر في المرحلة القادمة.
فأمر بالإفراج عنه، وجاء رسول الملك لإخراج يوسف من السجن لمقابلة الملك، وجاء رسول الملك إلى يوسف أولا، وأخبره بقرار الملك، لكن يوسف رفض الخروج إلا بعد أن يتحقق من براءته من التهمة التي أودع بسببها في السجن، وطلب من الرسول أن يسأل الملك زوجة العزيز، ويسأل النسوة اللاتي قطعن أيديهن في القصر، وبذلك يعلم الجميع براءته، ويعيش معهم نظيف السمعة، طاهر الخلق، خالصا، صادقا.
يحكي القرآن موقف الملك ورد يوسف عليه، بقوله تعالى:{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} 1.
أحضر الملك النسوة، وزوجة العزيز، وسألهن:{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} 2.
هذه شهادة النسوة، وفيها يعلنَّ براءة يوسف من أي سوء.
أما زوجة الملك فقد اعترفت أمام الجميع اعترافا تفصيليا، يظهر الحق كاملا، ويبين براءة يوسف، وتقر بذنبها، وتتوب إلى الله، آملة أن يعرف يوسف أنها برأته في غيبته، ولم تخنه بشهادة زور ضده، وعللت سبب اعترافها المفصل بأمور:
1 سورة يوسف آية: 51.
2 سورة يوسف آية: 52.
الأول: أنها تخاف من عقوبة الله تعالى إن كذبت عليه؛ لأن الحقائق التي تؤمن بها أن الله لا يهدي كيد الخائنين.
الثاني: إظهار ضعف نفسها، والنفس أمارة بالسوء، وهي بذلك الإعلان تردع النفس، وتؤدبها، وتوجهها نحو الأخلاق الفاضلة لتكون متمتعة برحمة الله.
الثالث: تطمع بتوبتها، وإقرارها في غفران الله ورحمته؛ لأنه سبحانه وتعالى غفور رحيم.
يوضح الله تعالى شهادة امرأة العزيز التفصيلية، فيقول سبحانه:{قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1.
ويبدو أن الملك وزوجة العزيز قد دخلا في دين يوسف على نحو ما ذكرت قبل، وكما يظهر من الألفاظ التي لا ينطق بها إلا موحد يعرف الله تعالى.
وبعد ظهور براءة يوسف عليه السلام جاءه الرسول وأخرجه من السجن إلى عالم الحرية الواسع.
1 سورة يوسف الآيات: 51-53، ويرى بعض المفسرين أن مراد زوجة الملك من قولها:{لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} ، أي: ليعلم زوجي أني لم أخنه مع أحد، وما كان مع يوسف كان مراودة مني امتنع عنها يوسف، ويذهب آخرون إلى أن الكلام من أول:{لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} من كلام يوسف. والأولى ما ذكرته، فإن الحديث كله مروي على لسان زوجة العزيز في جلسة الاعتراف، وكان يوسف وقتها في السجن، وأيضا فإن من الممكن فهم قولها:{لَمْ أَخُنْهُ} أي: لم أخن زوجي حيث لم يقع المحذور الأكبر ولم أخن يوسف بالكذب عليه وهو غائب، وتكلمت بالحق والصدق.