الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لقسم السادس عشر
حلب ومسلم بن قريش
مسلم في حلب
وتسلمها أبو المكارم في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، بعد حصار أربعة أشهر للقلعة وقال ابن أبي حصينة يهنىء شرف الدولة بفتح القلعة:
لقد أطاعك فيها كل ممتنع
…
خوف اتتقامك حتى غارت الفلب
ولما ملك شرف الدولة حلب أحسن إلى أهلها، وخفف عنهم أثقالاً كثيرة، وصفح عن كلف كانت عليهم في أيام بني مرداس. ونقلت الغلات إلى حلب، فرخصت الأسعار بعد الغلاء الشديد وفي يوم تسلمه القلعة ودخوله إليها دخل زوجته منيعة أخت سابق، في اليوم والساعة، وهو اتفاق لم يسمع بمثله، ففتح حصنين. وقال في ذلك أبو نصر بن الزنكل يمدح شرف الدولة:
فرعت أمنع حصن وافترعت به
…
نغم الحصان ضحى من قبل يعتدل
وحزت بحر الدجى شمس الضحى فعلى
…
مثليكما شرفاً لم تسدل الكلل
ومدحه، ابن حيوس بالقصيدة التي أولها:
ما أدرك الطلبات مثل متمم
…
إن أقدمت أعداؤه لم يحجم
فلما وصل إلى قوله:
أنت الذي نفق الثناء بسوقه
…
وجرى الندى بعروقه قبل الدم
اهتز شرف الدولة وأمره بالجلوس، فأتمها جالساً وأجازه بألفي دينار وقرية.
وقيل: إته لما مدحه ابن حيوس قال له أبو العز بن صدقة البغدادي وزير شرف الدولة: هذا رجل كبير السن ولم يبق من عمره إلا القليل، فأرى أن تعظم له الجائزة فيحصل على الذكر الجميل " فأقطعه الموصل جائزة له.
فمات في هذه السنة قبل أن يصل إليها وترك مالاً جزيلاً فقيل لشرف الدولة: هذا لا وارث له إلا بيت المال " فقال: والله لا يدخل خزانتي مال قد جمعه من صلات الملوك انظروا له قرابة. فسألوا عن ذلك فوجدوا له من ذوي الأرحام بنت أخ فأعطاها ماله جميعه وهي بنت أخيه أبي المكارم محمد بن سلطان ابن حيوس.
ولما سفر ابن منقذ في تسليم حلب وتسلمها شرف الدولة وعد ابن منقذ وعوداً جميلة، ومناه أماني حسنة وأكرمه غاية الإكرام.
ونقل شرف الدولة إلى الشام من الغلال ما ملأ الأهراء، وعاد بالرفق على الناس، وكذلك نقل إليها من سائر الحبوب ومن البقر والغنم والمعز والدجاج شيء كثير.
وعاش الناس في أيامه ورخصت الأسعار بحسن تدبيره وتسلم حصن عزاز من واليها عيسى وتسلم حصن الأثارب بعد حصار وحرب، وكذلك الحصون التي كانت في أيدي أصحاب تاج الدولة من أعمال حلب التي افتتحها.
وصفت له جميع أعمال حلب، وقال لسديد الملك: " امض في دعة الله فأنا سائر إلى بلادي ويجب أن تصلح حالك فأنا أصل وأبلغتك كل ما توثره ورجع إلى بلاده، وجعل أخاه علي بن قريش بحلب مع قطعة من عسكره بحلب.
وكاتب السلطان أبا الفتح ملك شاه يعلمه بما جرى، ويسأله في تقرير شيء يحمله من الشام فأجيب إلى ذلك.
ووصل أبو العز بن صدقة البغدادي وزير شرف الدولة إلى حلب لجمع أموالها في سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وعدل عما كان ابتدأ به من العدل والإحسان، وصادر جماعة، وضاعف الخراج.
وكان شرف الدولة بالقادسية فدخل الحمام وهي ملاصقة لداره، فوثب عليه مملوكان برسم خدمته، فجعلا في حلقه أنشوطة ليخنقاه، وانتظرا صاحباً لهما يدخل بسكين، فصاح شرف الدولة فسمعت صياحه زوجته
خاتون أخت السلطان ألب أرسلان، فخرجت إليه فانهزما عنه ومرض من ذلك أياماً، وأخذا وقتلا.
ولما بلغ ذلك أبا العز بن صدقة البغدادي عاد من حلب إلى القادسية.
وكان سديد الملك بن منقذ قد عمر قلعة الجسر، وقصد مضايقة شيزر وبها أشقف الباره وضيق عليه إلى أن راسله واشتراها منه، واستحلفه على أشياء اشترطها عليه.
ولم يزل ابن منقذ يعده الجميل ويتلطف له إلى أن سلم إليه حصن شيزر ليلة الأحد النصف من شهر رجب من سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
ووفى له ابن منقذ بكل ما عاهده علي، فثقل ذلك على شرف الدولة وحسد ابن منقذ على شيزر فسار عسكر حلب مع مؤيد الدولة علي بن قريش إلى شيزر، ونزلوا عليها في يوم الجمعة خامس ذي الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة، بعد مراسلات جرت فلم يجب ابن منقذ إلى ما التمس منه.
وكان علي بن قريش قد أخذ في طريقه حصناً لابن منقذ يقال له أشفونا غربي كفرطاب، وكان ابن منقذ قد تأهب للحصار، وحمل من الجسر إلى شيزر ما يكفي لمن فيه مدة طويلة من سائر الأشياء.
وحصره علي بن قريش مدة إلى أن وصل شرف الدولة بنفسه، فنزل
على شيزر يوم الأربعاء سلخ المحرم من سنة خمس وسبعين وأربعمائة.
ثم رحل عنها إلى حمص يوم السبت ثالث صفر، وأقام عسكره على شيزر، فتطارح ابن منقذ عليه، وسير إبنه أبا العساكر وامرأته منصورة بنت المطوع وأخته رفيعة بنت منقذ إلى حمص. فدخلوا عليه، وحملوا إليه مالاً، فأنفذ إلى عكسره، ورحله عن شيزر في الثامن والعشرين من صفر من السنة.