الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما الآخر، فصعدوا به إلى القلعة، فضرب ضرباً عنيفاً، وثقب كعبه، ليقرر على السبب الذي أوجب وثوبهم، فقال للملك الصالح: أنت تبعث كتبك إلى مولانا سنان بقتل من أمرنا بقتله، ثم تنكر فعل ذلك؟ فقال: ما أمرت بشيء. وكتب إلى سنان يعتب عليه فيما فعل بأبي صالح واللالا. فقال: أنا ما فعلت شيئاً إلا بأمرك وخطك. وسير إليه كتاباً فيه علامته بقتل الثلاثة المذكورين، فعلم أن ذلك كان ميكدة من كمشتكين.
وكان الإسماعيلية قد اجتهدوا في قتل شاذبخت، فلم يقدروا على الوثوب عليه، لشدة احترازه في القلعة، فعند ذلك وجد أعداء كمشتكين طريقاً للطعن عليه، وقالوا: لا إنما أراد قتل هؤلاء ليستقل بملكك، ويفعل فيه ما لا يقدر أن يفعله معهم، وأنه قد استصغرك، واحتقر أمرك.
تحرك الفرنج بغياب صلاح الدين
وكانت حارم لسعد الدين كمشتكين، أقطعه إياها الملك الصالح، حين أخذها من بدر الدين حسن، فأنهي إلى الملك الصالح أن سعد الدين يريد أن يسلمها إلى الفرنج، لأن أصله فرنجي، وأنه قد قرر معهم أن يبيعها عليهم بمال وافر. والدليل على صدق ذلك أنه أطلق من كان بالقلعة، من أسرى الفرنج، من أيام نور الدين، وأطلق البرنس أرناط، فقطع الطريق بالكرك، وسير أمواله من حلب وغيبها. وكتب إليه رجل من الفرنج يقال له، الفارس بدران بشيء من ذلك، وبعث بعدة كتب من سعد الدين إلى الفرنج، تشهد بما أنهاه، ولعله وضع ذلك كله عليه، حتى نالوا غرضهم منه.
فقبض الملك الصالح على سعد الدين، في التاسع من شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث وسبعين، وكان قد جاء يطلب دستوراً إلى حارم، وطلب تسليمها منه، فامتنع. فحمل إليها تحت الحوطة، وجيء به إلى تحت قلعتها، وعذب،
فاستدعى بعض من يثق إليه من المستحفظين بالقلعة، وأسر إليهما أنهم لا يسلمونها، ولو قطع، ثم قال لهما جهراً: بعلامة كذا وكذا، سلموا. فصعد إلى القلعة، وأظهر من فيها العصيان والمقاتلة، فعذب عذاباً شديداً، وعلق برجليه، وسقط بالخل، والكلس. والدخان، وعصر، وأصحابه يشاهدونه، ولا يجيبون إلى التسليم.
وخرج الفرنج من أنطاكية، يطلبون حارم، فتقدم الملك الصالح بخنق كمشتكين، فخنق بوتر، وأصحابه يشاهدونه ولا يسلمون، وكسروا يديه وعنقه، ورموه إلى خندق حارم، فحين علم الفرنج ذلك ساروا إلى شيزر.
ودخل الملك الصالح إلى حلب، وخلف العسكر بأرض عم وجاشر، حول حارم، يمنعونها من الفرنج، ويباكرونها كل يوم لطلب التسليم، ومقدم العسكر طمان بن غازي وكان من أكبر الأمراء.
وعاد الفرنج إلى حماة فحصروها، ولم يظفروا بطائل، وطمعوا في حارم، لعصيان أصحاب كمشتكين بها، وظنوا أن الملك الصالح صبي، وعسكره قليل، والملك الناصر بمصر، فلا ينجدهم إلا بعد أن يأخذوا حارم، فنزلوا عليها، ومعهم كند كبير من الفرنج، كان قد خرج من البحر إلى الساحل، يقال له كند قلنط لماني، ومعهم البرنس، وابن لاون، والقومص صاحب طرابلس، فندم من بحارم، حيث لم يسلموها إلى الملك الصالح.
وحصرها الفرنج، وضايقوها بالمجانيق والسلالم، فصاح من فيها: صلاح الدين يا منصور! فأحضروا خيمة، كانوا أخذوها من خيم الملك الناصر في كسرة الرملة في هذه السنة، وأخبروهم بالكسرة ليضعفوا عزيمتهم، وعسكر حلب بإزائهم من عم إلى تيزين.
ودخلت سنة أربع وسبعين: والفرنج مجدون على قتال حارم، ونقبوا في تل
القلعة، من جهة القبلة نقباً، ومن جهة الشمال آخر. فانهد السور على من تحته، وهو موضع البغلة، التي جددها السلطان الملك الظاهر قدس الله روحه.
وامتنع القتال من تلك الناحية، خوفاً من وقوع شيء آخر. فأخرج المسلمون رجلاً من عندهم إلى طمان، يطلب الأمان من الملك الصالح والنجدة، فسير إلى الملك الصالح، وأعلمه.
فانتخب الملك الصالح رجالاً أجلاداً من الحلبيين، وأعطاهم مالاً جزيلاً، وقال لهم: أريد منكم أن تدخلوا قلعة حارم، فجاءوا، والفرنج محدقون بها، في الليل، فسلكوا خيامهم مفرقين، حتى جاوزوها. وصاحوا بالتكبير والتهليل، وصعدوا القلعة، وصار فيها شوكة من المقاتلة، بعد أن كان قتل من المسلمين بها رجال عدة. والمسلمون أعني عسكر حلب إذ ذاك حول الفرنج جرايد، وأثقالهم بدير سمعان، وهم يتخطفون من يمكنهم أخذه من الفرنج ويحفظون أطراف البلد. وسار العسكر عند ذاك إلى دير أطمة، وصادفوا الفرنج في وطأة أطمة، فحملوا عليهم، فانهزموا وقتل من الفرنج، وأسر جماعة، فدام حصار الفرنج أربعة أشهر. وأرسل الملك الصالح إليهم، وقال: إن الملك الناصر واصل إلى الشام، وربما يسلم من بحارم إلى قلعتها، ويضحي في جواركم. وبذل لهم مالاً بمقدار ما أنفقوا مدة حصارهم لها. وانتظم الصلح، ورحلوا.
وخرج الملك الصالح، فنزل على حارم، فسلمها إليه أصحاب كمشتكين، وصفح عن جرمهم، وولى فيها سرخك جمدار أبيه نور الدين. ودخل حلب وطالب نواب كمشتكين بماله، واعتقل ابن التنبي وزيره، فأحضر بعض المال، وعذب حتى أحضره، ثم هرب من الاعتقال.
وفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة، سعى جماعة بالقاضي محي الدين أبي حامد بن الشهرزوري، قاضي حلب، وقدحوا فيه عند جمال الدين شاذبخت،