الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فدخل الملك الأشرف، واجتمع بملك الروم، وسار إلى ناحية أرزنكان، واصطفت العساكر للقتال، فكسر الخوارزمي في التاسع والعشرين من شهر رمضان، وهبت ريح عاصفة في وجه عساكره، وانهزموا، وصادفوا شقيفاً، في طريقهم، فوقع فيه أكثر الخوارزمية فهلكوا. وصار الملك الأشرف إلى أخلاط، فاستعادها، وهادن لخوارزمي.
وكان للفرنج حركة، وخرج عسكر حلب مع بدر الدين بن الوالي، وأغاروا على ناحية المرقب، ونهبوا حصن بانياس، وخربوه، وسيروا أسرى إلى حلب، ثم تواقع المسلمون والفرنج وقعة أخرى، قتل من الفريقين فيها جماعة، وكان الربح فيها للمسلمين. وسيرت العساكر من حلب في النصف من شهر ربيع الآخر. واحتبس الغيث في حلب، وارتفعت الأسعار فيها، وخرج الناس، واستسقوا على بانقوسا، فجاء مطر يسير، بعد ذلك، وانحطت الأسعار قليلاً. واستقرت الهدنة بين عسكر حلب والداوية، والأسبتار، في العشرين من شعبان من السنة.
ممارسة العزيز صلاحياته
واستقل السلطان الملك العزيز بملكه، في هذه السنة، وتسلم خزائنه من أتابك شهاب الدين، ورتب الولاة في القلاع، واستحلف الأجناد لنفسه، وخرج بنفسه، ودار القلاع والحصون.
وركب أتابك شهاب الدين، في نصف شهر رمضان، من هذه السنة، ونزل من قلعة، وركب الناس في خدمته، ولم ينزل منها، منذ توفي الملك الظاهر،، إلا هذه المرة. ثم عاد إلى القلعة، وكان يركب منها في الأحايين، إلى أن دخل السلطان
الملك العزيز بابنة الملك الكامل، وبقي أتابك مدة في القلعة، ثم نزل منها، وسكن في داره، التي كانت تعرف بصاحب عين تاب، تجاه باب القلعة.
واستوزر الملك العزيز، في هذه السنة، خطيب القلعة وابن خطيبها زين الدين عبد المحسن بن محمد بن حرب، ومال إليه بجملته.
وسير الملك العزيز القاضي بهاء الدين، في هذه السنة في شوال، إلى مصر، لإحضار زوجته بنت الملك الكامل، فأقام بمصر مدة، إلى أن قدم في صحبتها والدها الملك الكامل، إلى دمشق، وسيرها من دمشق صحبته، وأصحبها من جماعته: فخر الدين البانياسي، والشريف قاضي العسكر.
وخرج وزيره، وأعيان دولته، فالتقوها من حماة، وأكابر أهل حلب أيضاً، والتقتها والدة السلطان عمتها من جباب التركمان، والتقاها بقية العساكر، بتل السلطان، والتقاها أخو السلطان الملك الصالح، في عسكره، وتجمله. وعادت العساكر في تجملها، واصطفت أطلاباً طلباً بعد طلب، في الوضيحي. وخرج السلطان إلى الوضيحي، ودخل مع زوجته، ليلاً، إلى القلعة المنصورة، في شهر رمضان، من سنة تسع وعشرين وستمائة.
وكانت العامة بحلب، قد ثاروا على محتسبها مجد الدين بن العجمي، لأن السعر كان مرتفعاً، وقد بلغ الرطل من الخبر إلى عشرة قراطيس، ثم انحط السعر كان في تقاديم الغلة، إلى أن بيع الرطل بخمسة ونصف. فركب نائب المحتسب وسعره في البلد بستة قراطيس، فهاجت العامة عليه، وقصدوا دكة المحتسب، وهموا بقتل نائبه، وخربوا الدكة، ومضوا إلى دار المحتسب، لينهبوها.
فنزل والي البلد، والأمير علم الدين قيصر، وسكنوا الفتنة، بعد أن صعد جماعة إلى السلطان، واستغاثوا على المحتسب، فظفروا بأخيه نائب الحشر الكمال ابن العجمي، فرجموه بالحجارة، فانهزم، واحتفى في بعض دروب حلب، ثم هرب إلى المسجد الجامع، فهموا به مرة ثانية، في الجامع، فحماه مقدم الأحداث، وكان ذلك، في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان، من سنة تسع وعشرين وستمائة. وداوم الملك العزيزالخروج إلى الصيد، ورمي البندق بنواحي العمق
وغيرها، وحسن له جماعة من أصحابه، أن يسير إلى قلعة تل باشر، ويستولي عليها، وينزعها من نواب أتابكه شهاب الدين طغرل، وأن يبقي عليه رستاقها، وأن لا يكون شيء من القلاع إلا بيده، فنمى الخبر إلى أتابك، فسير إلى الوالي، وأمره أن لا يعارضه في القلعة، وأن يسلمها إليه، وكان له بها خزانة، فاستدعاها.
وخرج السلطان إلى عزاز، وكانت في يد والدة أخت الملك الصالح، وأولادها بني ألطنبغا، عوضهم بها أتابك عن بهسنى، بعد قتل الرومي كيكاوس الطنبغا، فصعد إلى قلعتها، وولى بها والياً من قبله، وأبقى عليهم ما كان في أيديهم من بلدها.
ثم سار السلطان من عزاز، إلى تل باشر، وصعد إلى القلعة، وولى فيها والياً من جهته، وانترعها من أيدي نواب أتابكه.
وبلغه أخذ الخزانة، من تل باشر، فسير من اعترض أصحاب أتابك في الطريق، فأخذ الخزانة منهم، وكان يظن أن بها مالاً طائلاً، فلم يجد الأمر كما ذكر، فأعادها على أتابك، فامتنع من أخذها، وقال: أنا ما ادخرت المال إلا لك.
ثم دخل السلطان إلى حلب، وكان ذلك كله، في شهر رمضان، من سنة تسع وعشرين وستمائة.
ثم إن السلطان الملك العزيز، خرج في خرجاته، لرمي البندق إلى حارم، وتوجه منها إلى دركوش ثم إلى أفامية، في سنة ثلاثين وستمائة،
فلم يحتفل به صاحب شيزر شهاب الدين يوسف بن مسعود بن سابق الدين، وأنفذ إليه إقامة يسيرة وهي شيء من الشعير على حمير، سخرها من بلد شيزر فشق عليه ذلك.
فلما دخل حلب استدعى سيف الدين علي بن قلج الظاهري، وسيره إلى الملك الكامل، ليستأذنه في حصار شيزر، وأخذها، وكانت مضافة إلى حلب، وإنما خاف أن يلقي صاحبها نفسه على الملك الكامل، فيشفع إليه في أمره، فلا يتم له ما يريد.
فصعد سيف الدين إلى دمشق، وقرر مع الملك الكامل، الأمر على ما يختاره الملك العزيز، وسير إلى السلطان الملك العزيز، وأعلمه بذلك، فأخرج العسكر، والزردخاناه، ونزل العسكر على شيزر، واحتاط الديوان، على ما في رستاق شيزر من المغلات.
ووصل سيف الدين بن قلج من دمشق، وخرج السلطان بنفسه، فنصب عليها المناجيق، من جهة الجبل، وترك المنجنيق المغربي، قبالة بابها. وسير إلى صاحبها، وقال له: والله لئن قتل واحد من أصحابي، لأشنقتك بدله. فقتدم إلى الجرخية بالقلعة، أن لا يرمي أحد بسهم، وتبلد، وأسقط في يده.
وأرسل الملك الكامل إلى السلطان نجابين، ومعهما خمسة آلاف دينار مصرية، ليستخدم بها رجالة، يستعين بهم على حصار شيزر.
وقدم إليه إلى شيزر الملك المظفر محمود صاحب حماة وأرسل إليه صاحب شيزر، يبذل له تسليمها، على أن يبقي عليه أمواله، التي بها، ويحلف له على أملاكه، بحلب. فأجابه إلى ذلك.
ونزل من شيزر إلى خدمة السلطان، وسلمها إليه، ووفى له السلطان بما اشترطه، وصعد السلطان إلى القلعة، وأقام أياماً بشيزر، ثم دخل إلى مدينة حلب.