الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بكر محمد بن رائق يخيره في أحد البلدين واسط أو حلب وأعمالها، فاختار حلب، وأراد بذلك البعد عن بجكم. فأجابه الراضي إلى ذلك، وخلع عليه أبو جعفر وأبو الفضل ابنا الراضي وعقدا له.
وجعل بجكم يحث الراضي على الوصول إلى بغداد، ويتأسف على خروج ابن رائق منها ليشفي غيظه، فقال له الراضي: هذا لا يصلح، وهذا رجل أمنته، وقلدته ناحية من النواحي، فسمع وأطاع وما أمكنك منه.
فخرج أبو بكر بن رائق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. وقيل: دخل حلب في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وسار عنها إلى قتال الإخشيذ محمد بن طغج بن جف الفرغاني، وولى في حلب نيابة عنه خاصة محمد بن يزداذ.
خلافة المتقي
وجرت بين أبي بكر بن رائق والإخشيد وقعة انهزم فيها الإخشيذ، وسلم دمشق إلى ابن رائق، واقتصر على الرملة ومصر.
ثم وقع بينهما وقعة أخرى في الجفار، أسر فيها أبو الفتح مزاحم بن محمد ابن رائق، فرجع في عدة يسيرة حتى يخلص ابنه، فقتل أبو نصر بن طغج، فكفنه ابن رائق، وجعله في تابوت، وأنفذه إلى أخيه الإخشيذ مع ابنه مزاحم، وقال: ما أردت قتل أخيك، وهذا ولدي قد أنقذته إليك لتقيده به. فخلع الإخشيذ عليه، وأعطاه مالاً كثيراً، ورده. وذلك في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
ثم أن أبا بكر محمد بن طغج الإخشيذ سير كافوراً الخادم من مصر، ومعه عسكر وفي مقدمته أبو المظفر مساور بن محمد الرومي، أحد قواد الإخشيذ فوصل
إلى حلب، فالتقى كافور ومحمد بن يزداذ الوالي بحلب
من قبل ابن رائق، فكسره كافور، وأسره، وأخذ منه حلب، وولى بها مساور بن محمد الرومي، وعاد كافور إلى مصر.
وهذا أبو المظفر مساور بن محمد الرومي مدحه المتنبي بقوله:
أمساور أم قرن شمس هذا
…
أم ليث غاب يقدم الأستاذا
يريد الأستاذ: كافوراً الخادم. وذكر فيها كسره بن يزداذ فقال:
هبك ابن يزداذ حطمت وصحبه
…
أترى الورى أضحوا بني يزداذا
ومساور هو صاحب الدار المعروفة بدار ابن الرومي بالزجاجين بحلب، وتعرف أيضاً بدار ابن مستفاد، وهي شرقي المدرسة العمادية التي جددها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق بحلب، وهي المنسوبة إلى بني العجمي.
وأظن أن قاضي حلب في هذا التاريخ كان أبا طاهر محمد بن محمد بن سفيان الدباس أو قبل هذا التاريخ.
ثم اتفق الإخشيذ ومحمد بن رائق على أن يخلي له الإخشيذ حمص وحلب ويحمل إليه مالاً، وزوج الإخشيذ ابنته بمزاحم بن أبي بكر بن رائق.
وقتل ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان أبا بكر بن رائق في رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة بين يدي المتقي يوم الإثنين لتسع بقين منه.
وكان ابن رائق شهماً مقداماً سخياً جواداً، لكنه كان عظيم الكبر، مستبداً برأيه، منزوعاً من التوفيق والعصمة والتسديد.
وكان أحمد بن علي بن مقاتل بحلب من جهة أبي بكر بن رائق ومعه ابنه مزاحم بن محمد بن رائق. فقلد ناصر الدولة علي بن خلف ديار مضر والشام، وأنفذ معه عسكراً وكاتب يأنس المؤنسي أن يعاضده.
وكان يأنس يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة فسار إلى جسر منبج وسار أحمد بن مقاتل ومزاحم إلى منبج، فالتقوا على شاطىء الفرات.
وسير يأنس كاتبه ونذيراً غلامه برسالة إلى ابن مقاتل، فاعتقلهما ووقعت الحرب بين الفئتين، ولحق يأنس جراح كادت تتلفه فعدل به إلى قلعة نجم ليشده. ونظر نذير غلامه وهو معتقل في عسكر ابن مقاتل، على بغل إلى شاكري ليأنس معه جنيبة مق خيله، فأخذ سيف الشاكري، وركب الجنيبة، وصار إلى ابن مقاتل فقتله وانهزم عسكره.
وأفاق يأنس المؤنسي، فسار وعلي بن خلف متوجهين إلى حلب. وتلاوم قواد ابن مقاتل على هزيمتهم، فعادوا إلى القتال في وادي بطنان، فانهزموا ثانية، وملك علي بن خلف ويأنس المؤنسي حلب في سنة ثلاثين وثلاثمائة.
ثم إن علي بن خلف سار منها إلى الإخشيذ محمد بن طغج، فاستوزره وعلا أمره معه، إلى أن رآه يوماً، وقد ركب في أكثر الجيش بالمطارد والزي،
ومحمد جالس في متنزه له، فأمر بالقبض عليه، فلم يزل محبوساً إلى أن مات محمد بن طغج. فأطلق وبقي يأنس المؤنسي والياً على حلب في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
وكان يأنس هذا مولى مؤنس المظفر الخادم، وتولى الموصل في أيام القاهر.
وكان يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة إلى أن كان من أمره ما ذكرناه. فاستأمن، إلى الإخشيذ، ودعا له على المنابر بعمله.
واتفق ناصر الدولة بن حمدان وتوزون، في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، على أن تكون الأعمال من مدينة الموصل إلى آخر أعمال الشام لناصر الدولة، وأعمال السن إلى البصرة لتوزون وما يفتحه من وراء ذلك، وأن لا يعرض أحد منهما لعمل الآخر.
فولى ناصر الدولة حلب وديار مضر والعواصم أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل صاحب ابن رائق في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ووافق
ناصر الدولة أبا محمد بن حمدان على أن يؤدي إليه إذا دخل حلب خمسين ألف دينار.
فتوجه أبو بكر من الموصل ومعه جماعة من القواد، ولم يصل إليها فوقع بين الأمير سيف الدولة بن حمدان وبين ابن عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان كلام بالموصل وأراد القبض عليه.
فقلد ناصر الدولة أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، أخا الأمير أبي فراس، حلب وأعمالها، وديار مضر، والعواصم، وكلما يفتحه من الشام، فتوجه في أول شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ودخل الرقة بالسيف لأن أهلها حاربوه مع أميرها محمد بن حبيب البلزمي، فأسره وسمله، وأحرق قطعة من البلد وقبض على رؤساء أهله، وصادرهم.
وتوجه إلى حلب ومعه أبو بكر محمد بن علي بن مقاتل، وبحلب يأنس المؤنسي وأحمد بن العباس الكلابي، فهربا من بين يديه من حلب، وتبعهما إلى معرة النعمان ثم إلى حمص.
وهرب أمير حمص إسحاق بن كيغلغ بين يديه، وملك هذه البلاد ودانت له العرب، ثم عاد إلى حلب، وأقام بها إلى أن وافى الإخشيذ أبو بكر محمد بن طغج ابن جف الفرغاني.
وإنما لفب بالإخشيذ لأن ملك فزغانه يتسمى بذلك، وكان أبوه من أهل فرغانه.
وقدمها الإخشيذ في ذي الحجة من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. ولما دنا الإخشيد من حلب انصرف الحسين بن حمدان عنها لضعفه عن محاربته إلى الرقة. وكان ابن مقاتل مع ابن حمدان بحلب، فلما أحس بقرب الإخشيذ منها وتعويل ابن حمدان على الإنصراف استتر في منارة المسجد الجامع إلى أن انصرف ابن حمدان.
ودخل الإخشيذ فظهر له ابن مقاتل، واستأمن إليه، وقلده الإخشيذ أعمال الخراج والضياع بمصر.