الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم السابع
سعيد الدولة الحمداني 381 - 392 هجرية
ثم إن غلمان سعد الدولة ملكوا ابنه أبا الفضائل سعيداً، ولقبوه سعيد الدولة، ونصبوه مكان أبيه في يوم الأحد. وصار المدبر له وصاحب جيشه من الغلمان الأمير أبو محمد لؤلؤ الكبير السيفي، فاستولى على الأمور وزوج ابنته سعيد الدولة، فرفع المظالم والرسوم المقررة على الرعية من مال الهدنة. ورد الخراج إلى رسمه الأول، ورد على الحلبيين أملاكاً كان اغتصبها أبوه وجده.
وطمع العزيز صاحب مصر في حلب، فاستصغر سعيد الدولة بن سعد الدولة، فكتب إلى أمير الجيوش بنجوتكين التركي، وكان أمير الجيوش والياً بدمشق من قبل العزيز وأمره بالمسير إلى حلب وفتحها، فنزل في جيوش عظيمة ومدبر الجيش أبو الفضائل صالح بن علي الروذباري.
فنزل على حلب في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وفتح حمص وحماة في طريقه، وحصر حلب مدة، فبذل له سعيد الدولة أموالاً كثيرة على أن يرحل عنه وعلى أن يكون في الطاعة، ويقيم الدعوة، ويضرب السكة باسم العزيز، ويكتب اسمه على البنود في سائر أعماله.
فامتنع من قبول ذلك وقاتل حلب ثلاثة وثلاثين يوماً، وضجر أهل حلب فقالوا لابن حمدان: إما أن تدبر أمر البلد وإلا سلمناه. فقال: اصبروا علي ثلاثة أيام، فإن البرجي والي إنطاكية قد سار إلى نصرتي في سبع صلبان. فبلغ ذلك
بنجوتكين، فاستخلف بعض أصحابه وهم: بشارة القلعي، وابن أبي رمادة، ومعاضد ابن ظالم، في عسكر معهم كبير على باب حلب.
وسار فالتقى البرجي عند جسر الحديد، وبنجوتكين في خمسة وثلاثين ألفاً والروم في سبعين ألفاً، فانهزم البرجي، وأخذ بنجوتكين سواده وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وأسر خلقاً كثيراً.
فانحاز ابن أخت البرجي إلى حصن عم، فسار بنجوتكين إلى عم، فقاتل حصنها، وفتحه بالسيف، وأسر منها ابن أخت البرجي، ووالي الحصن، وثلاثمائة بطريق. وحصل عنده ألفا فارس وغنم من عم مالاً كثيراً، وأحرقها وما حولها ووجد في عم عشرة آلاف أسير من المسلمين فخرجوا وقاتلوا بين يديه.
وسار إلى أنطاكية فاستاق من بلدها عشرة آلاف جاموس، ومن البقر
والمواشي عدداً لا يحصى، وسار من ظاهر أنطاكية في بلاد الروم حتى بلغ مرعش، فقتل، وأسر، وغنم، وخرب، وأحرق.
وعاد إلى عسكره على باب حلب المعروف بباب اليهود، وقاتلها من جميع نواحيها، وكان هذا في جمادى الأولى وجمادى الآخرة، فأقام على حلب إلى انقضاء سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وعاد إلى دمشق.
ثم إنه عاد، وخرج من دمشق في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، ومدبر الجيش أبو سهل منشا بن إبراهيم اليهودي القزاز فنزلوا شيزر وقاتلوها، وفتحوها، وأمنوا سوسن الغلام الحمداني وكان والياً بها وجميع من كان معه.
وسار بنجوتكين إلى أفامية، فتسلمها من نائب سعيد الدولة ثم سار أمير الجيوش بمن انتخبه من العسكر إلى أنطاكية، فغنموا بقراً وغنماً، ورماكاً وجواميس،
وبلغوا نواحي بوقا، وقطعوا بقراس، وعاد العسكر إلى الروج ثم إلى أفامية.
وسار إلى دمشق، وسير العزيز أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربي الكاتب، الذي كان وزيراً لسعد الدولة أبي المعالي مر، وفارقه عن وحشة وهو والد الوزير أبي القاسم بن المغربي في المحرم من سنة أربع وثمانين
وثلاثمائة، من مصر إلى بنجوتكين ليجعله مدبر جيشه والناظر في أعمال الشام إن فتحت، لخبرته بتلك الناحية. وسار معه عسكر كثير فوصل إلى دمشق.
وسار منها بنجوتكين وابن المغربي في ثلانين ألف مقاتل، فوصلوا إلى ظاهر حلب في شهر ربيع الآخر، وضيق عليها بالحصار، فاستتجد سعيد الدولة ولؤلؤ بالروم، فخرج البطريق البرجي والي أنطاكية بعساكر الروم فنزل بالأرواج، على المقطعات على المخاض، وبث سراياه، ورتب قوماً يغيرون على أعمال حلب ويمنعون المتعلفة.
وسار بنجوتكين فنزل مقابلهم، وسار عسكر حلب وفيهم الأمير رباح الحمداني وكبار الحمدانية، فنزلوا مع الروم على مخاضة أخرى، فقطع المغاربة الماء، وعبروا إليهم، وأنفذ بنجوتكين العرب مع قطعة من عسكره للقاء الحلبيين، فحين أشرفوا عليهم انهزموا عن المخاضة، ونهبتهم العرب.
فحين شاهد الروم ذلك انهزموا، وتخلوا عن البرجي، واضطروه إلى الهزيمة، وتبعهم المغاربة مع بنجوتكين في يوم الجمعة لست خلت من شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، فظفر بهم، وغنم الأموال والرجال والخيل التي لا تحصى، وقتل خلقا كثيراً، وأسر خلقاً كثيراً من الروم، وسار فنزل على عزاز فأخذها.
ثم عاد إلى حصار حلب فبنى مدينة بازائها وشتى بها وآثار العمارة التي تظهر حول نهر قويق هي آثار تلك العمائر ولم يزل على حلب إلى أن انقضت سنة أربع وثمانين، وكان حصارهم حلب أحد عشر شهراً، وأكلوا الخيل والحمير.
وأنفذ أبو الفضائل سعيد الدولة ولؤلؤ أبا علي بن دريس إلى باسيل ملك الروم بالقسطنطينية، يستنجدانه، وكانت له على حلب قطيعة تحمل إليه، وقالا له: ما نريد منك قتالاً إنما نريد أن تجفله.
فخرج باسيل في ثلاثة عشر ألفاً، وعسكر بنجوتكين لا خير معهم لباسيل فسير باسيل جواسيس، وقال لهم: امضوا إلى العسكر، وأعلموهم بي. وكانت دواب أمير الجيوش بمرج أفامية، في الربيع، فلما أخبر الجواسيس عسكر أمير الجيوش بوصول باسيل إلى العمق، ضرب جميع آلته بالتار، ورحل إلى قنسرين، فصارت هزيمة.
وجاء باسيل ملك الروم، فنزل موضعهم، فلم يمله، وكان قد خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم، وشكره على ما فعل من رحيل بنجوتكين، ومعه هدية جليلة القدر فقبلها منه، ثم أعادها إلى حلب ووهب له القطيعة التي كانت له على حلب في تلك السنة، فقال قسطنطين لأخيه الملك باسيل: خذ حلب، والشام ما يمتنع منك. فقال: ما تسمع الملوك أني خرجت أعين قوماً فغدرت بهم. فقال له بعض أصحابه: ليست حلب غالية بغدرة. فقال الملك: بلى ولو أنها الدنيا.
وكان إذا خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم أقام لؤلؤ بحلب، وإذا خرج لؤلؤ أقام أبو الفضائل. وكان قد ضاق صدر أبي الفضائل لطول الحصار، وأراد تسليم حلب إلى بنجوتكين.
فتوجع لؤلؤ فركب إليه أبو الفضائل يعوده، فحجبه ساعة، فشق عليه، وانصرف مغضباً فلحقه لؤلؤ وقال له: " ما كنت عليلاً، وإنما أردت أن أعلمك أنك متى مضيت إلى غير هذا البلد أنك تحجب على أبواب الناس، وقد شق عليك أني حجبتك، وأنا عبدك، والبلد بلدك. فرجع إلى قول لؤلؤ.
وعصى رباح السيفي بالمعرة على مولاه أبي الفضائل، فخرج إليه مع لؤلؤ في سنة ست وثمانين، وانحاز إلى المغاربة، فخرج أبو الفضائل ولؤلؤ وحصراه مدة، فورد بنجوتكين لنجدته فانهزما ودخلا حلب.
وخرج باسيل إلى أفامية بعد وقعة جرت للروم مع المغاربة فجمع عظام القتلى من الروم، وصلى عليهم ودفنهم، وسار إلى شيزر ففتحها بالأمان من المغاربة، وذلك في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
وسار ملك الروم إلى وادي حيران، فسبى منه خلقاً عظيماً من
المسلمين،