الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ماله. وكان قد فرق عسكره ثلاث فرق لكثرته، فالفرقة الأولى: اختارت تحت بغراس مع الكند المذكور. فوقع عليه عسكر حلب فأخذ منهم مائتي رجل، ووقع أيضاً على جمع عظيم خرجوا للعلوفة، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأسروا زهاء خمسمائة نفر.
ولما وصل ملك الألمان إلى أنطاكية أخذها من صاحبها، وأودع فيها خزائنه، وسار منها يوم الأربعاء خامس وعشرين من شهر رجب، سنة ست وثمانين وخمسمائة، متوجهاً إلى عكا، وفشا فيهم الوباء حتى لم يسلم من كل عشرة واحد. ولم يخرجوا من أنطاكية حتى ملؤوها قبوراً.
ووصل الملك إلى طرابلس، في نحو ألفي فارس، لو صادفهم مائة من المسلمين لأخذوهم، ووصلوا إلى عكا رجالة ضعفاء، لا ينفعون. ومات ابن ملك الألمان على عكا في ذي الحجة، من سنة ست.
الأساطيل البحرية
ووصل إلى المسلمين بعكا الأسطول المصري في خمسين شينياً غنم في طريقه إليها بطس ومراكب فرنجيه، أسر رجالها وغنم أموالها. وجرى له مصادمات مع مراكب الفرنج المحاصرة لعكا، كانت الغلبة فيها للمسلمين، فدخلوا إلى عكا، وتماسكت بما دخل فيها من الأقوات والسلاح، وكان دخولها في يوم الإثنين رابع عشر شعبان، من سنة ست وثمانين.
وفي هذا الشهر، جهز الفرنج بطساً متعددة، لمحاصرة برج الذبان وهو على باب ميناء عكا فجعلوا على صواري البطس برجاً، وملؤوه حطباً ونفطاً، على أنهم يسيرون بالبطس، فإذا قاربت برج الذبان ولاصقته، أحرقوا البرج الذي على الصاري، وألصقوه ببرج الذبان، ليلقوه على سطحه، ويقتل من عليه من المقاتلة ويأخذونه.
جعلوا في البطسة وقوداً كثيراً، ليلقوه في البرج إذا اشتعلت النار فيه. وعبؤوا بطساً ملؤوها حطباً، على أنهم يدفعونها لتدخل بين بطس المسلمين، ثم يلهبونها لتحرق بطس المسلمين.
وجعلوا في بطسة ثالثة مقاتلة، تحت قبو، بحيث لا يصل إليهم نشاب، ويكونون تحت القبو، ويقدمون البطسة إلى البرج، فأوقدوا النار، وضربوا النفط، فانعكس الهواء عليهم، فاحترقت البطسة، وهلك من فيها، واحترقت البطسة الثانية، وأخذها المسلمون، وانقلبت الثالثة التي فيها القبو بمن فيها.
وفي هذه السنة، في ربيع الأول، أحرق المسلمون ما كان صنعه الفرنج من آلات الحرب والزحف إليهم، وهي أبرجة عظيمة المقدار، يزحف بها على عجل، وفيها المقاتلة، والجروخ، والمجانيق، فعمد لها رجل دمشقي يعرف بعلي بن النحاس، فرماها من السور، بقدور نفط متتابعة، وصار فيها ريح غريبة، كانت سبباً لإحراق تلك الآلات وما فيها ومن فيها.
واشتد حصار الفرنج على عكا، ومل من بها من الأجناد المقام، ووصل إليهم من مصر مراكب فيها غلة، فأتلفوها بالإضاعة وبالتغريق، تبرماً بالمقام.
وفي ربيع الأول، وصلت من بلاد الفرنج مراكب كثيرة، فيها ألوف من مقاتلة الفرنج من أكبرهم ملكان: يعرف أحدهما بملك الفرنسيس والآخر بملك انكتير، فاشتدت وطأتهما على عكا، وعظمت نكايتهما، في سورها. وقل ما بها من الميرة والسلاح.
فأمر السلطان بأن أوسق مركب عظيم من بيروت، واستكثر فيه من السلاح والأقوات والمقاتلة، وأظهر عليه زي الفرنج وشعارهم، وأخذ قوم من أساري الفرنج الذين في قبضة المسلمين، فتركوا على ظاهر المركب، وأنزل معهم في المركب جماعة من المسلمين ممن يعرف لغة الفرنج، وتزيوا بزي الفرنج، وحلقوا شعورهم، وأخذوا معهم خنازير، ورفعوا على قلع المركب صليباً. وأوهموا الفرنج
أنهم واصلون إليهم نجدة من بلادهم، وأقلعوا داخلين إلى مرسى عكا، مسلمين على الفرنج بلغتهم، مبشرين لهم بأن وراءهم من المدد، من تثدد به منتهم وتعز به نصرتهم، فلم يرتب المحاصرون بذلك، وأفرجوا لهم عن المرسى.
فدخلوا إلى عكا، وأوصلوا إلى المسلمين بها، ما كان معهم من الميرة والسلاح والرجال، وتمت هذه الحيلة. وكانت من الفرص التي لا ينبغي أن تعاود فركن المسلمون إليها، وطمعوا في أخرى مثلها، فجهزوا مركباً عظيماً من بيروت أيضاً، وأودعوه مثل ما كان قبله من الآلات والسلاح والأقوات بما مبلغ قيمته خمسة آلاف دينار. وجعل فيه سبعمائة من مقاتلة المسلمين.
وكان خبرهم قد وصل إلى الفرنج، فأخذوا عليهم الأرصاد، فمكثوا أياماً يلججون في البحر، ويقاربون عكا، فلا يجدون في الدخول مطمعاً، حتى صادفتهم مراكب الإنكتير في حال قدومه من بلاده، في إحدى وعشرين مركباً فقاتلوا ذلك المركب الإسلامي يومين، وثبت لهم مع قلته، فغرق المسلمون من مراكب الفرنج ثلاثة.
ولما رأوا أنهم قد يئسوا من النجاة، وأن الفرنج إن ظفروا بالمركب حصل لهم به قوة عظيمة، وحصلوا في الأسر والذلة، عمد رجل حلبي حجار من أهل باب الأربعين، يقال له يعقوب وكان مقدم الجماعة إلى سفل المركب وأخذ قطاعته، وخسف المركب، ودخل فيه الماء، وغرق. ولم يظفر الكفار منه بشيء، سوى رجلين تخطفهما الفرنج من رأس الماء، واحتملوهما في مراكبهم، فأخبرا بهذه الكائنة.
ولما وصل هذا الخبر إلى عكا قطع قلوب من بها، وأسقط في أيديهم، وهرب جماعة من الأمراء منها، فألقوا أنفسهم في شخاتير صغار، فأضعف ذلك قلوب من بقي بها. وعظمت النكاية في سور المدينة، وفشلوا، وكاتبوا السلطان، فأذن لهم في مصالحة الفرنج عن أنفسهم بالبلد.